أكد قانونيون وأكاديميون أن الذكاء الاصطناعي يُمثل أداة مساعدة مهمة في أروقة المحاكم، لكنه لن يكون بديلاً عن القاضي أو المحامي.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم»، إن خوارزميات الذكاء الاصطناعي قادرة على اختصار آلاف الساعات من البحث الروتيني، وأتمتة المستندات المعقدة في ثوانٍ معدودة، وتحقيق السرعة الرقمية، إلا أنها تظل مفتقدة لروح القانون والحكمة البشرية التي يستند إليها القاضي، والملكة المهنية التي يرتكز عليها المحامي في بناء الحجج وتحقيق العدالة. وأثاروا مخاوف من مخاطر الذكاء الاصطناعي، تضمنت تسريب البيانات القانونية، واحتمال أن يقدم «الخطأ» في ثوب قانوني بليغ ومقنع.
الملكة القانونية
وتفصيلاً، أكدت المحامية نادية خالد، أن الذكاء الاصطناعي لن يلغي مهنة المحاماة بل سيعيد تشكيلها وتوزيع مهامها، فالقانون ليس مجرد نصوص ومعلومات تستطيع الأنظمة الذكية الوصول إليها وتحليلها بسرعة، بل هو ممارسة تتطلب «ملكة» تكييف الوقائع، وفهم السياق، وبناء الحجج، وصياغة الاستراتيجيات والتفاوض.
ونبهت إلى أن «مخاطر الذكاء الاصطناعي في القانون تكمن في إنتاجه أخطاءً تبدو منطقية ومصوغة بثقة، ما يجعل التحقق البشري ضرورياً».
وأشارت إلى أن الآلة تنتج المخرجات والمحامي يتحقق منها ويتحمل مسؤوليتها. أما في القضاء، فإن الأمر أكثر عمقاً وحساسية، لأن الوظيفة القضائية لا تتوقف عند تفسير النصوص، بل ترتبط بممارسة سلطة قضائية وإصدار أحكام وفق ضمانات قانونية وإجرائية لا يمكن للآلة تعويضها.
وذكرت أن العدالة الرقمية لا تعني مجرد السرعة، بل يجب أن تحافظ على ضمانات العدالة الأساسية كحق الدفاع والمساءلة والشفافية؛ فالاعتماد على خوارزميات معقدة ومبهمة يهدد القدرة على فهم القرارات القضائية والطعن عليها. من جهة أخرى، يفرض استخدام هذه الأنظمة تحدياً حرجاً يتعلق بحماية البيانات؛ إذ تحتوي الملفات القانونية أسراراً مهنية وشخصية، ما يجعل المحامي الرقمي الناجح هو من يملك الوعي بحدود استخدام البيانات، ومصادرها، وآليات الحفاظ على سريتها. وبناءً على ذلك، لن يكون مستقبل المهنة لمن يكتب استفسارات أسرع، بل لمن يمتلك الأساس القانوني والوعي التقني لتقييم مخرجات الخوارزميات وتمييز الصحيح من الخاطئ.
منظومة قانونية
من جانبه، أكد المحامي علي خضر العبادي أن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته في مجالات متعددة، لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يستبدل المحامي في أداء رسالته، إذ إن مهنة المحاماة لا تقتصر على صياغة المذكرات والمرافعات فحسب، بل تقوم في جوهرها على تخطيط استراتيجي وترتيب مسبق للمجريات القانونية. وأضاف العبادي أن العمل القانوني يتطلب دراسة عميقة لملابسات كل قضية وتحليل دفوعها بدقة، وهو ما لا يمكن الاعتماد فيه على تقنيات الذكاء الاصطناعي التي قد تورط المتقاضين بأخطاء جسيمة وتتسبب في هدر الوقت والجهد، مؤكداً أن دور هذه التقنيات يظل ثانوياً ومساعداً فقط.
ولفت العبادي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم المنظومة القانونية إذا اقتصر دوره على البحث السريع في الأرشيف القضائي، وتنظيم المواعيد، واستخراج القوانين والتشريعات المقارنة، مشدداً على أن هذه المخرجات يجب أن تخضع دائماً للمراجعة والتدقيق الدقيق من قِبل المحامي البشري لضمان سلامتها وعدم مخالفتها لواقع الدعوى.
العقل البشري
وأكد رئيس قسم القانون الخاص في جامعة الإمارات، الدكتور عماد عبدالرحيم الدحيات، أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تتمتع بخصائص فريدة لعل من أبرزها قدرتها على العمل باستقلالية، فضلاً عن تمتعها بمهارات الاستنتاج وفحص البيانات والوثائق والعقود ومراجعتها وتحليلها، وتقديم المشورة خلال وقت قياسي.
ورأى أن الاستعانة بهذه الأنظمة في المجالين القانوني والقضائي تُمثل فرصة مواتية لتحسين جودة الأداء، وتسريع الإجراءات، واختصار الوقت والجهد، وتعزيز الكفاءة والفاعلية. لكن التوسع المستمر في دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي وتعلّم الآلة في المهام والأعمال القانونية يثير مخاوف تدور حول مدى دقة المخرجات وموثوقيتها، واحتمالات التحيز الخوارزمي، وصعوبة تحديد المسؤولية عن الأخطاء التي قد تنتج عن استخدام هذه الأنظمة.
وأشار إلى أن المحامي يظل مسؤولاً مسؤولية كاملة عن أي أخطاء أو استشهادات وسوابق قضائية وهمية ترد في المذكرات القانونية المعدّة باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، على اعتبار أن هذه الأدوات – مهما بلغت درجة تطورها – لا تعفي مستخدمها من المسؤولية المهنية تجاه عميله أو المحكمة.
وقال إنه إلى أن يبلغ الذكاء الاصطناعي مستوى أعلى من الموثوقية يجعل الحديث عن منحه شكلاً من أشكال «الشخصية» أمراً مقبولاً أو قابلاً للنقاش الجاد، تظل هناك حاجة ملحّة إلى تحديد مصادر سلوكه، وفهم الكيفية التي يصدر بها مخرجاته، والكشف عن أسباب الأخطاء التي قد يقع فيها.
تغيير جوهري
وأكد مدير جامعة أبوظبي (حرم دبي) أستاذ الأعمال الرقمية المشارك، الدكتور أنس النجداوي، أن التساؤل المطروح في الأوساط الأكاديمية والمهنية لم يعد يتركّز حول مدى دخول الذكاء الاصطناعي إلى القطاع القانوني، بل في كيفية إسهامه في إعادة تشكيل هذه المهنة وتغيير ملامحها.
وأوضح، من واقع خبرته في التحول الرقمي ومتابعته لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، أن «بعض القانونيين التقليديين يبدون حالياً ممانعة تجاه تبني هذه الأدوات التقنية المتطورة، وهو سلوك طبيعي شهدناه مع موجات التحول التقني السابقة».
وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي أحدث بالفعل تغييراً جوهرياً في آليات معالجة البيانات والمعلومات القانونية، وذلك بفضل قدرته على تحليل كميات هائلة من الوثائق، ومراجعة العقود، والبحث في السوابق القضائية، واستخراج المعلومات وربطها بسرعة كبيرة، ما يختصر كثيراً من الوقت الذي كان يخصص للمهام التقليدية، ويجعل عمليات التحليل والاستدلال أكثر كفاءة.
وشدد على أن التطور الرقمي لن يلغي جوهر المهنة القانونية، «فالقانون ليس مجرد نصوص وبيانات يمكن للخوارزمية معالجتها، هناك التفكير النقدي والاجتهاد والسياق الاجتماعي والإنساني، وفوق ذلك ما نسميه روح القانون، وهنا تبقى مسؤولية الإنسان وحكمه المهني عنصراً أساسياً».
ودعا المؤسسات الأكاديمية والجامعات إلى تغيير فلسفتها التعليمية وتطوير أدواتها، مؤكداً أنه لا يمكن الاستمرار في إعداد قانوني المستقبل بالأدوات والمنهجيات التقليدية نفسها التي أُعد بها قانوني الماضي.
التقنية ونزاهة القيم
وأكد أستاذ القانون المدني المشارك بكلية القانون في جامعة عجمان، الدكتور نصر أبوالفتوح، أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولاً جذرياً في قطاع المهن القانونية في الإمارات، ما غيّر طبيعة العمل ومعايير الكفاءة التي أصبحت تقوم على حسن توظيف الأدوات الذكية وتحليل نتائجها، بدلاً من الاعتماد على البحث اليدوي التقليدي.
وأوضح أنه على صعيد مهنة المحاماة، غيّرت أنظمة تحليل البيانات الضخمة وبرامج مراجعة العقود آليات العمل اليومي، حيث تختصر البحث في السوابق والتشريعات وتكشف الثغرات تلقائياً، فضلاً عن دور أنظمة توقع مسار النزاع التي تدعم رسم الاستراتيجيات القانونية، وهو ما أسهم في تحرير المحامي من الأعباء الروتينية ليتفرغ للتفكير الاستراتيجي، والترافع، والتفاوض.
ولفت إلى أن المنصات الذكية للبحث وإدارة الجلسات الافتراضية عززت من سرعة الإجراءات وكفاءتها، مع بقاء التقدير القضائي وفهم السياق الإنساني حصراً على القاضي، مشدداً على أن العدالة جوهر إنساني ومفهوم قيمي أعمق من أن يُختزل في خوارزميات صماء.
وأكد أن دولة الإمارات أرست إطاراً تشريعياً وتنظيمياً ريادياً، شمل الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031، وتأسيس وزارة الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي، إلى جانب تشريعات محورية كمرسوم حماية البيانات (رقم 45 لسنة 2021)، وقانون المعاملات الإلكترونية (رقم 46 لسنة 2021)، وتكامل ذلك مع مبادرات محلية رائدة كمنصة «قضاء بلا أوراق» والمحاكم الافتراضية في دبي وأبوظبي.
وأوضح أن الذكاء الاصطناعي لا يهدف إلى إلغاء المهن القانونية بل إلى تطويرها واعتماد أدواتها، ليظل التحدي الأبرز في المرحلة المقبلة محصوراً في تحقيق التوازن الأمثل بين كفاءة التقنية الذكية ونزاهة القيم الإنسانية للعدالة.
أزمة حقيقية
وأكد عميد كلية الإمام مالك للشريعة والقانون، الأسبق، الدكتور خالد رأفت أحمد، أن التسارع التقني والتكنولوجي يُمثل أزمة حقيقية للقانون الذي يُفترض أن وظيفته الأساسية هي تنظيم السلوك البشري بين أفراد المجتمع، مشيراً إلى أن الذكاء الاصطناعي نقل مستويات التحدي إلى الأنشطة القانونية بشكل مباشر، وبات التساؤل المعاصر يدور حول مستقبل المهن القانونية الكبرى مثل القاضي والمحامي والمستشار القانوني.
وقال إن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يسهل أداء هذه المهن والوظائف بدرجة كبيرة، ويسرع إنجاز مهام معينة مثل مراجعة السوابق القضائية واستجلاء مواقف المحاكم العليا، ما يسهم بفعالية في تخفيف تراكم القضايا المرفوعة ويساعد في إصدار الأحكام القضائية بشكل أسرع، إلا أن هذا كله لا يمكن بحال من الأحوال أن يجعل من التقنيات الذكية بديلاً عن هذه المهن، لكون الأمر يتعلق ببساطة بمفهوم العدالة، والذكاء الاصطناعي، وإن كان يستطيع إنجاز الكثير من العمليات والمهام السابقة، إلا أنه ليس بمقدوره أبداً النفاذ إلى الحكمة العميقة التي أردها المشرّع من وراء إصدار القوانين، وليس في وسعه كذلك أن يقوم بعمل القاضي في تطبيق هذه العدالة، مؤكداً أن حكمة القاضي البشرية في تطبيق القانون ليست مجرد عمل آلي روتيني تقوم به الآلة أياً كانت درجة جودتها ودقتها، وذلك لأن إعمال القانون لا يقوم على الإحصاءات والاستنتاجات الجافة فقط، بل ثمة حكمة بالغة مطلوبة لإعمال روح القانون وتطبيقها السليم وهي صفة ينفرد بها البشر دون سواهم، وهو أمر قريب ووثيق الصلة أيضاً بطبيعة عمل المستشار القانوني الذي يمتلك القدرة على إعطاء المشورة القانونية السديدة من واقع فهمه لسياقات وظروف محيطة لا يمكن للذكاء الاصطناعي الاضطلاع بها.
قضية نيويورك
شهدت محاكم في العالم أخيراً، سوابق قضائية هزت الأوساط القانونية، أبرزها قضية في نيويورك، اعتمد فيها محاميان على الذكاء الاصطناعي التوليدي لإعداد مذكرة دفاع في دعوى تعويض ضد شركة طيران، لتفجر المحاكمة صدمة كبرى، بعدما تبيّن أن النظام اخترع ست قضايا وأحكاماً وهمية لا وجود لها في تاريخ القضاء.

