Login النشرة البريدية

شارك المستشار الدكتور حمد سيف الشامسي، النائب العام للاتحاد، في جلستين رفيعتي المستوى ضمن أعمال مؤتمر الأمم المتحدة الخامس عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية، الذي تستضيفه أبوظبي، تناولتا تعزيز الوصول إلى العدالة من أجل نظم عدالة جنائية فعالة ومنصفة، وقيادة الجهود الدولية لمواجهة الاحتيال المنظم.

وتأتي مشاركة ضمن الحضور القيادي والمؤسسي للنيابة العامة للدولة في أعمال المؤتمر، وإسهامها في الحوار الدولي حول تطوير منظومات العدالة، وترسيخ سيادة القانون، وتعزيز التعاون القضائي في مواجهة الجرائم المتطورة والعابرة للحدود.

وفي الجلسة الأولى، التي تناولت النهوض بالوصول إلى العدالة من أجل نظم عدالة جنائية فعالة ومنصفة، أكد النائب العام أن نقطة البداية في مفهوم الوصول إلى العدالة هي الإنسان نفسه، وأن القيمة الحقيقية للحق لا تكتمل بمجرد إقراره في النصوص القانونية، وإنما بقدرة الإنسان على معرفته، والوصول إلى الجهة التي تحميه، وممارسته من خلال إجراءات واضحة ومنصفة، والحصول على الحماية في الوقت الذي تكون فيه ذات أثر حقيقي.

وأوضح أن دولة الإمارات تنظر إلى الوصول إلى العدالة باعتباره جزءاً أصيلاً من صون كرامة الإنسان، وتعزيز سيادة القانون، وبناء مؤسسات عدالة فاعلة تحظى بثقة المجتمع، مشيراً إلى أن التجربة الإماراتية في التحول الرقمي لم تقم على نقل الإجراءات من الورق إلى المنصات الرقمية فحسب، وإنما على إعادة النظر في الإجراء ذاته، وتبسيطه واختصاره كلما أمكن، دون المساس بالضمانات القانونية.

وأشار إلى أن الغاية من إعادة هندسة الإجراءات، وتطوير خدمات العدالة الرقمية، وتوجه الدولة نحو تصفير البيروقراطية، تتمثل في اختصار المسافة بين الإنسان والعدالة، من خلال إجراءات أقل تعقيداً، وأقصر زمناً، ووصول أيسر إلى العدالة، مع المحافظة على الضمانات التي تحمي الحقوق.

وتناول كذلك مفهوم المساواة الفعلية في الوصول إلى العدالة، مؤكداً أن تقديم الخدمة ذاتها للجميع لا يعني بالضرورة قدرة الجميع على الوصول إليها بالطريقة نفسها، وأن تصميم خدمات العدالة يجب أن يراعي اختلاف احتياجات الأفراد وظروفهم، سواء من حيث اللغة أو السن أو الإعاقة أو ظروف الضحية، مع توفير قنوات رقمية ووسائل بديلة ومساعدة مباشرة لمن يحتاج إليها.

وفي حديثه عن الذكاء الاصطناعي، أكد النائب العام أن السؤال الحاكم ليس إلى أي مدى يمكن استخدام التقنية، وإنما أين تنتهي وظيفتها وأين تبدأ مسؤولية الإنسان، موضحاً أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدعم التحليل، ويسرّع الوصول إلى المعلومات، ويرفع كفاءة العمل، لكنه لا يحل محل التقدير القانوني ولا المسؤولية عن القرار.

وأكد أن نجاح منظومة العدالة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد القضايا المنجزة أو الخدمات المقدمة أو الزمن المستغرق، وإنما بالأثر الذي تحققه في حياة الناس، من حيث الوصول الأسرع إلى العدالة، والحماية الأكثر فاعلية للحقوق، وتحسين تجربة الإنسان مع منظومة العدالة.

وفي ختام مشاركته، أكد المستشار الدكتور حمد سيف الشامسي أن الإنسان يظل المقياس الحقيقي لنجاح منظومة العدالة، وأن مستقبل الوصول إلى العدالة لا تصنعه التقنية وحدها، ولا تستطيع دولة، مهما بلغت قدراتها، أن تبنيه منفردة، وإنما يتحقق من خلال تطوير منظومات تستفيد من التقنية دون أن تفقد ضماناتها، وتستشرف المستقبل في إطار سيادة القانون، وتختصر المسافة بين الإنسان وحقه دون الانتقاص من الحماية المقررة لهذا الحق.

وفي الجلسة الثانية، التي تناولت قيادة الجهود لمواجهة الاحتيال المنظم، استعرض النائب العام رؤية دولة الإمارات لتعزيز التعاون عبر الحدود، مؤكداً أن مواجهة الاحتيال المنظم تتطلب منظومة متكاملة تضمن وصول المعلومة الصحيحة إلى الجهة المختصة في الوقت المناسب، وتحويلها بسرعة إلى إجراء.

وأوضح أن هذه المنظومة تقوم على مسارين متكاملين؛ يبدأ الأول من تعزيز التنسيق على المستوى الوطني من خلال قنوات موحدة وفعالة للإبلاغ، ومنهجيات واضحة للتعامل مع البلاغات العاجلة، وتبادل المعلومات بين الجهات المختصة، والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في تحليل المعلومات ورصد أنماط الاحتيال وتسريع الكشف والاستجابة.

أما المسار الثاني فيقوم على تعزيز التعاون الدولي وتبادل المعلومات في الوقت المناسب، من خلال قنوات مباشرة وآمنة بين الجهات النظيرة، والاستفادة من الشبكات الدولية القائمة، بما يتيح سرعة تعقب الأموال واتخاذ التدابير التحفظية اللازمة، إلى جانب تعزيز فعالية المساعدة القضائية المتبادلة، وتسليم المجرمين، واستخدام فرق التحقيق المشتركة متى اقتضت طبيعة القضية ذلك.

وأكد أن هذه الآليات يجب أن تعمل في إطار التشريعات الوطنية والاتفاقيات الدولية ذات الصلة، وبما يكفل احترام الضمانات القانونية وحماية المعلومات المتبادلة.

واختتم النائب العام مداخلته بالتأكيد على أن التحدي الحقيقي في مواجهة الاحتيال المنظم لا يتمثل في القدرة على تبادل المعلومات فحسب، وإنما في تقليص الزمن بين اكتشاف الجريمة، وانتقال المعلومة، واتخاذ الإجراء عبر الحدود، قائلاً: في جرائم الاحتيال المنظم، قد يكون الفارق بين استرداد أموال الضحية وفقدانها هو سرعة انتقال المعلومة وتحولها إلى إجراء.

وتعكس مشاركة النائب العام في الجلستين رؤية متكاملة للعدالة تجمع بين صون حق الإنسان في الوصول إلى عدالة فعالة ومنصفة، وتعزيز قدرة المؤسسات على حماية المجتمع، وبناء تعاون قضائي دولي قادر على مواكبة جريمة تتغير في طبيعتها وأدواتها ونطاقها.

وتواصل النيابة العامة للدولة مشاركتها في أعمال المؤتمر من خلال عدد من الجلسات والفعاليات المتخصصة، بما يعزز تبادل المعرفة والخبرات، ويدعم إسهام دولة الإمارات في تطوير الحوار الدولي حول مستقبل العدالة الجنائية وسيادة القانون.

شاركها.
Exit mobile version