نجح المواطن المهندس محمد الشحي، عالم البيانات والمحاضر في كليات التقنية العليا، في تطوير تقنية مبتكرة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد الهجمات الإلكترونية التي قد تستهدف كاميرات المراقبة داخل المنازل والأجهزة الذكية المتصلة بالإنترنت، محققاً دقة بلغت 97.45%، وسرعة في اكتشاف التهديدات تفوقت بنحو 31 مرة على مرجع بحثي دولي سابق استخدم الجهاز نفسه، في إنجاز علمي يعكس قدرة العقول الإماراتية على منافسة الأبحاث العالمية في مجالي الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وكشف الشحي، في تصريح خاص لـ«الإمارات اليوم»، عن تفاصيل ابتكاره الذي يتيح الكشف عن الهجمات الإلكترونية بسرعة فائقة، من دون الحاجة إلى إمكانات تشغيلية كبيرة، ما يمهد لتطوير حلول مستقبلية تعزز حماية الأجهزة الذكية التي أصبحت جزءاً من الحياة اليومية للأسر، ويؤكد قدرة الكفاءات الوطنية على الانتقال من استخدام التكنولوجيا إلى الإسهام في تطويرها وصناعة حلولها.
ويعرض الشحي نتائج بحثه خلال المؤتمر العالمي الـ12 لإنترنت الأشياء، الذي تستضيفه أبوظبي للمرة الأولى في دولة الإمارات، خلال الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر الجاري، في مبنى جامعة خليفة، بمشاركة باحثين وخبراء من المؤسسات الأكاديمية والقطاعات الصناعية والحكومية، لمناقشة أحدث التطورات في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والمدن الذكية.
ويكتسب الإنجاز أهمية خاصة كونه نتاج بحث علمي طورته كفاءة وطنية داخل إحدى مؤسسات التعليم العالي الإماراتية، وحقق نتائج متقدمة في مجال يشهد تنافساً دولياً متسارعاً، بما يعكس قدرة الباحثين المواطنين على الانتقال من استخدام التكنولوجيا الحديثة إلى المشاركة في تطويرها وإنتاج المعرفة العلمية.
وأوضح الشحي أن التوسع في استخدام الأجهزة المتصلة بالإنترنت، من كاميرات المراقبة المنزلية والثلاجات والغسالات الذكية إلى أجهزة الاستشعار والمعدات الصناعية، يفرض تحديات متزايدة تتعلق بحماية هذه الأجهزة من الهجمات الإلكترونية، خصوصاً أن كثيراً منها لا يمتلك ذاكرة كافية أو قدرة معالجة تسمح بتشغيل أنظمة الحماية التقليدية كبيرة الحجم.
وأشار إلى أن التحدي الذي تناوله البحث يتمثل في تطوير نظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي، يستطيع التمييز بين حركة الشبكة الطبيعية والهجمات الإلكترونية بسرعة ودقة، من دون الحاجة إلى موارد تشغيلية كبيرة، بما يفتح المجال أمام تطوير حلول مستقبلية لحماية الأجهزة الذكية محدودة الإمكانات.
وبيّن أن المنهجية البحثية التي طورها تعتمد على الذكاء الاصطناعي القابل للتفسير، وتقوم على تحديد المعلومات الأكثر أهمية في اكتشاف الهجمات الإلكترونية، بدلاً من تحليل عشرات المؤشرات المرتبطة بحركة الشبكة، الأمر الذي يساعد على تقليص حجم النموذج وتسريع أدائه، مع المحافظة على مستوى مرتفع من الدقة.
وأسهمت المنهجية في تقليص عدد الخصائص التي يعتمد عليها أحد النماذج من 47 إلى 20 خاصية فقط، بانخفاض يقارب 57%، من دون الحاجة إلى استخدام جميع المؤشرات التي يتعامل معها النموذج الأصلي، وهو ما يعزز إمكانية تطوير أنظمة للكشف عن الهجمات الإلكترونية تناسب الأجهزة الصغيرة.
وكشف الشحي أن نتائج الاختبارات أظهرت قدرة النموذج الرئيس على التمييز بين حركة الشبكة الطبيعية و14 نوعاً من الهجمات الإلكترونية، بدقة بلغت 97.45%، فيما سجل زمن تنبؤ بلغ نحو 0.87 مللي ثانية على جهاز صغير، مقارنة بنحو 27 مللي ثانية في مرجع بحثي سابق استخدم الجهاز نفسه، ما يجعله أسرع بنحو 31 مرة من حيث زمن التنبؤ المقاس.
وأوضح أن النتائج لم تقتصر على مستوى الدقة والسرعة، إذ تمكن البحث أيضاً من تقليص حجم النموذج الرئيس إلى نحو 301 كيلوبايت، مقارنة بنحو 5213 كيلوبايت للنموذج الكامل الذي استخدم نقطة انطلاق في الدراسة، فيما جرى تطوير نسخة أصغر بلغ حجمها نحو 152 كيلوبايت، بزمن تنبؤ يقارب 0.61 مللي ثانية، مع المحافظة على أداء بحثي متقدم.
وللتحقق من كفاءة المنهجية، ذكر الشحي أنه أُجريت اختبارات باستخدام بيانات معيارية معروفة في أبحاث أمن إنترنت الأشياء، إلى جانب تشغيل النموذج على جهاز حاسوبي صغير فعلي، بهدف قياس قدرته على العمل باستخدام موارد تشغيلية محدودة، وعدم الاكتفاء بالاختبارات النظرية.
وتابع: أظهر التقييم البحثي متعدد الجولات تفوق النموذج في أحد مؤشرات الأداء على أقوى دراسة منشورة ذات قيود شملتها المقارنة، محققاً نتيجة بلغت 0.969 مقابل 0.947 للدراسة المقارنة، بفارق 2.2 نقطة مئوية، وهي نتائج تعكس مستوى التقدم الذي حققته المنهجية في الاختبارات العلمية.
وأشار إلى أن النتائج المحققة تستند إلى اختبارات علمية أُجريت باستخدام بيانات معيارية وعلى جهاز فعلي، موضحاً أن التقنية لاتزال في إطار البحث والتطوير، ولم تصل بعد إلى مرحلة الاستخدام التجاري في المنازل أو المنشآت الصناعية، إلا أنها تمثل أساساً علمياً يمكن البناء عليه لتطوير أنظمة حماية مستقبلية قادرة على رصد الهجمات الإلكترونية بكفاءة وسرعة عاليتين.
ويعكس البحث حضور الكفاءات الوطنية في مجالات علمية متقدمة، وقدرتها على تطوير حلول تقنية لمعالجة تحديات عالمية، انطلاقاً من المؤسسات التعليمية الإماراتية، وصولاً إلى المشاركة في مؤتمرات دولية تضم باحثين وخبراء متخصصين في تقنيات المستقبل.
ويمثل عرض الشحي بحثه خلال المؤتمر العالمي الـ12 لإنترنت الأشياء فرصة لتقديم نتائج علمية طُورت في دولة الإمارات أمام مجتمع بحثي دولي، وإبراز قدرة الباحثين المواطنين على إنتاج دراسات قابلة للاختبار والمقارنة مع أبحاث منشورة في المجال نفسه.
وتبرز الأهمية المستقبلية للبحث في إمكانية الاستفادة من المنهجية لتطوير أدوات حماية للأجهزة الذكية المستخدمة داخل المنازل والمصانع والمنشآت الصناعية والمدن الذكية، خصوصاً مع التوسع في الاعتماد على الأنظمة المتصلة بالإنترنت، والحاجة إلى وسائل حماية تتناسب مع إمكانات الأجهزة الصغيرة.
كما يسلط الإنجاز الضوء على دور مؤسسات التعليم العالي الوطنية في إعداد باحثين قادرين على التعامل مع التحديات التقنية، وتوظيف المعرفة الأكاديمية في تطوير حلول علمية تعزز حضور دولة الإمارات في مجالات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
ويقدم المهندس محمد الشحي من خلال بحثه نموذجاً للكفاءة الإماراتية التي توظف خبراتها في معالجة تحديات تقنية مرتبطة بالحياة اليومية، وتحقق نتائج قابلة للقياس والمقارنة مع الأبحاث الدولية، في تأكيد على قدرة العقول الوطنية على الإسهام في تطوير تقنيات المستقبل، وليس الاكتفاء باستخدامها.









