أكد أكاديميون أن جامعات المستقبل ستتحول إلى بيئات تعليمية رقمية يقودها الذكاء الاصطناعي، موضحين أن التقنيات الرقمية ستفتح آفاقاً واسعة لتطوير بيئات تعليمية أكثر مرونة وتخصيصاً.
وقالوا إن قطاع التعليم العالي يشهد تحولاً متسارعاً بفعل الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح عنصراً محورياً في إعادة تشكيل أساليب التعلم والتدريس داخل الجامعات.
وتفصيلاً، قال أكاديميون لـ«الإمارات اليوم» إن الذكاء الاصطناعي يلعب دوراً محورياً في تشكيل مستقبل التعليم، ما يسهم في تنمية جيل مبدع مستعد لمواجهة تحديات العالم الحديث ضمن بيئة تعليمية مصونة بأسس وقوانين وتشريعات تتناسب مع هذه الثورة العلمية، وتسهم في تهيئة جيل معرفي قادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي المتنامي، أو ما يعرف بالانفجار المعرفي.
تحولات عميقة
وقالت رئيسة معهد جامعة السوربون أبوظبي للابتكار والبحث العلمي، الأستاذة المشاركة في الجامعة، الدكتورة كليو شافينو: «خلال الـ20 عاماً المقبلة من المتوقع أن تشهد الجامعات تحولات عميقة في بنيتها وأدوارها من دون أن تفقد جوهر رسالتها الأساسية، وستبقى الجامعات فضاءات مركزية للتفاعل الإنساني، وتبادل الأفكار، وبناء التفكير النقدي».
وأضافت: «من المرجح أن تصبح جامعات المستقبل أكثر مرونة وتخصيصاً، تجمع بين الحرم الجامعي التقليدي وبيئات تعلم رقمية وهجينة وذكية. وسيسهم الذكاء الاصطناعي في دعم التعلم والبحث وتحسين الكفاءة الأكاديمية وتغيير أساليب التدريس والبحث والإدارة في جامعات المستقبل، لكنه لن يكون بديلاً عن الحوار المباشر، أو الإرشاد الأكاديمي، أو دور المجتمعات العلمية في بناء المعرفة، وفي هذا السياق، ستزداد أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية في تعزيز التفكير النقدي والتأمل الأخلاقي، بما يضمن توازناً صحياً بين التقدم التكنولوجي والقيم الإنسانية».
وقالت: «في دولة الإمارات، حيث يعد الابتكار والتقنيات المتقدمة ركائز أساسية للتنمية الوطنية، تعمل الجامعات على ضمان أن يبقى التقدم متمحوراً حول الإنسان».
وأكدت أهمية توجيه الذكاء الاصطناعي في تعزيز قدرات الطلبة على التفكير النقدي، والإبداع، والتعلم العميق، وأضافت: «يقع على عاتق الجامعات مسؤولية كبيرة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي حيث ينبغي النظر إليه كأداة داعمة للتعلم والبحث، لا كبديل عن الحكم البشري، أو الجهد الفكري، أو المسؤولية الأخلاقية، فجوهر التعليم يجب أن يبقى قائماً على تنمية أفراد مستقلين، مفكرين، وقادرين على اتخاذ قرارات واعية ومسؤولة».
منظومة ابتكارية
من جانبها، توقعت مؤسِّسة ورئيسة مركز ميدلسكس للابتكار رئيسة قسم هندسة الكمبيوتر والمعلوماتية بجامعة ميدلسكس دبي، البروفيسورة فهميدة حسين، تطور التجربة التي تقدمها الجامعات على مدى العقدين المقبلين لتصبح هجينة بصورة أكبر وأكثر قابلية للتخصيص، بالإضافة إلى أنها ستصبح أكثر تكاملاً مع متطلبات القطاع، حيث سيسهم الذكاء الاصطناعي في تعزيز التعلّم عبر توفير أنظمة تكيفية، وتغذية راجعة فورية، واتخاذ قرارات قائمة على البيانات، كما سيتطور الحرم الجامعي ليصبح منظومة شاملة للابتكار تجمع بين التعليم والبحث وريادة الأعمال.
وقالت: «سيصبح مفهوم التعلّم مدى الحياة والشهادات التخصصية القصيرة جانباً متمماً للشهادات الأكاديمية التقليدية، في حين سيتوقف النجاح على قيادات جامعية مرنة قادرة على تلبية احتياجات المستقبل والتعامل مع ما نشهده من تغيير متسارع، ويمكن تحقيق هذه الأهداف من خلال دمج الثقافة المتعلقة بالذكاء الاصطناعي ضمن مختلف المناهج الدراسية، وتطوير البرامج المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وعلوم البيانات، بما يعزّز القدرات الوطنية ويضمن أن يكون للخريجين دور فاعل في تشكيل مسار التقدّم التكنولوجي».
ونبهت حسين إلى أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من فوائده الكبيرة، من حيث الكفاءة والتخصيص، فإن الاعتماد المفرط على الأدوات المؤتمتة داخل الجامعات قد يُضعف مهارات التفكير النقدي والابتكار والقدرة على حل المشكلات بشكل مستقل، وتتطلب جميع هذه المسائل حوكمة دقيقة ومدروسة. ومن هذا المنطلق يتعيّن على الجامعات تعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي بصورة مسؤولة وأخلاقية تركز على الإنسان بالدرجة الأولى، بما يضمن أن تسهم التكنولوجيا في تطوير التعلّم، مع الحفاظ على المعايير الفكرية والتنمية المعرفية التي تشكّل الأساس للتعليم الهادف».
تشكيل مستقبل التعليم
وأكد الأستاذ المساعد في قسم علوم الحاسوب وتكنولوجيا المعلومات، بجامعة أبوظبي، الدكتور مراد الرجب، أن الذكاء الاصطناعي سيلعب دوراً محورياً في تشكيل مستقبل التعليم، حيث أسهمت تقنياته في توفير نهج تعليمي مخصص لكل طالب، وتقديم محتوى تعليمي وإرشادات تلبي الاحتياجات الفردية، كما وفرت القدرة على تحليل أداء الطلبة بكفاءة، وهذه الطريقة الشخصية في التعليم تُعدّ أكثر فاعلية.
وقال الرجب: «على الرغم من الفوائد العديدة للذكاء الاصطناعي، فإنه يلقي بتحديات على المدى المنظور، قد تؤثر في الاعتماد المفرط على التكنولوجيا، وتآكل مهارات تعليمية أساسية والتقليل من قدرة الطلبة على الاعتماد على الذات، والتفاعل والتفكير المستقل، ما يحد من قدرتهم على التحدي والابتكار، وهي من المهارات الأساسية للنجاح في معترك الحياة الاجتماعية وسوق العمل».
وشدد الرجب على ضرورة إيجاد توازن استراتيجي ومدروس يمكّن المؤسسات التعليمية من دمج الذكاء الاصطناعي، بطريقة تعزز التعلم الذاتي وتحافظ على جودة التعليم واستدامته، مع الحفاظ على التفاعل البشري والأنشطة الإبداعية، ما استلزم من المؤسسات التعليمية وضع أطر وقوانين تحدد الاستخدام الملائم والصحيح للذكاء الاصطناعي في التعليم، وتصميم برامج تعليمية تعزز الاستقلالية وتطور المهارات الحياتية، وتشجيع الفهم العميق والمعرفة المستدامة للطلاب، مع الاستفادة من التقدّم التكنولوجي وأدوات الذكاء الاصطناعي.
إنجاز المهام
في المقابل، أكد طلبة دراسات عليا في عدد من الجامعات الإماراتية أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً أساسياً من تجربتهم الأكاديمية اليومية، سواء في إعداد الأبحاث أو تحليل البيانات أو مراجعة الأدبيات العلمية، لافتين إلى أنه أسهم في تسريع إنجاز المهام البحثية وتوسيع نطاق الاستفادة من المصادر العلمية العالمية، حيث وفرت لهم أدوات الذكاء الاصطناعي، دعماً كبيراً في المراحل الأولى من البحث، خصوصاً في تنظيم الأفكار وصياغة المسودات الأولية.
وأوضح باحثو دكتوراه: أحمد الهاملي، ورامي سليمان، ويوسف بدر، ونوال مسعد، أن التطور التقني ساعدهم على التركيز أكثر على الجوانب التحليلية والنقدية في أبحاثهم، بدلاً من الانشغال بالمهام التقنية المتكررة، إلا أن العنصر البشري يبقى العامل الأول والأهم في أي بحث خاصة وأن المعلومات التي يقدمها الذكاء الاصطناعي تتطلب التحقق من دقتها ومراجعتها مراجعة علمية دقيقة قبل الاعتماد عليها.
وأشاروا إلى أن التحدي الأكبر الذي سيواجه الباحثين في المستقبل القريب يتمثل في الحفاظ على المهارات البحثية الأساسية، مثل التفكير النقدي والتحليل المستقل، في ظل الاعتماد المتزايد على الأدوات الذكية، وتقارب الخطوط الفاصلة بين الاستعانة بالذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مساندة في العملية التعليمية بشكل عام والبحثية بصفة خاصة وبين الاعتماد عليه بديلاً عن الجهد الأكاديمي الشخصي.
وأجمعوا على أن مستقبل التعليم العالي سيكون أكثر تكاملاً مع التكنولوجيا في حال وضع سياسات واضحة داخل الجامعات تنظّم استخدام الذكاء الاصطناعي في الأبحاث العلمية، بما يضمن الالتزام بأخلاقيات البحث العلمي، ويحافظ على النزاهة الأكاديمية، خصوصاً في ما يتعلق بالاقتباس وتوليد المحتوى، لضمان الموازنة بين الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي وتنمية المهارات الذاتية في البحث والتحليل والابتكار.
مساقات الذكاء الاصطناعي
أكدت جامعة الإمارات العربية المتحدة تنفيذها «أجندة الذكاء الاصطناعي 2025–2031»، لتعزز قدرات الجامعة البحثية والتعليمية في هذا المجال الحيوي، كما طرحت الجامعة ضمن الأجندة مساقات في الذكاء الاصطناعي كمكوّن أساسي ضمن المتطلبات الجامعية الإلزامية لجميع الطلبة على اختلاف تخصصاتهم الأكاديمية لتزويدهم بالمعرفة الأساسية في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدراتهم في التعامل مع التقنيات المتقدمة التي باتت تشكل أساساً لمختلف القطاعات الحيوية، وذلك ضمن إطار استراتيجي يهدف إلى دعم الابتكار الوطني وتحقيق مستهدفات التحول الرقمي.









