
شهد الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، الجلسة الرمضانية الثانية التي نظمها مجلس محمد بن زايد في موسمه الحالي، تحت عنوان «الشيخ زايد والرؤية الإنسانية العالمية لدولة الإمارات»، وحضرها عدد من كبار المسؤولين في الدولة.
وتحدث خلال الجلسة، التي عقدت بمقر المجلس في جامع الشيخ زايد الكبير في أبوظبي، الأمين العام لمؤسسة إرث زايد الإنساني، الدكتور مغير الخييلي، والمدير العام بالإنابة لمؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني، الدكتورة شما المزروعي، حيث سلطا الضوء على إرث الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ونهجه القائم على العطاء وفلسفته الإنسانية، وتناولا نموذجه الفريد في العمل الإنساني، الذي يدعم ريادة دولة الإمارات في تقديم المساعدات الإنسانية، واستعرضا أهم القيم الإنسانية التي أرساها وكيف تحولت هذه القيم إلى نهج مؤسسي يقود العمل الإنساني لدولة الإمارات في مختلف أنحاء العالم.
وركّزت المحاضرة على ثلاثة محاور رئيسة هي رؤية الشيخ زايد الإنسانية، وكيفية توازن دولة الإمارات بين المساعدات الفورية وبين التنمية والمرونة والمساءلة، إضافة إلى دور القيادة والمؤسسات والشباب في تعزيز قيم الشيخ زايد لمواجهة التحديات العالمية.
وبدأت المحاضرة بفيلم تسجيلي يستعرض أهمية القيم الإنسانية والأخلاقية التي رسخها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في المجتمعات المحلية والعالمية، ودور عطائه الإنساني في تغيير حياة الفرد والمجتمع، والمنجزات الحضارية التي حققها في مجالات التنمية.
واستعرض الدكتور مغير الخييلي جوانب إنسانية من شخصية الشيخ زايد، مستنداً إلى تجربته الشخصية في العمل معه لسنوات طويلة، مؤكداً أن مفهوم العطاء لدى القائد المؤسس كان نابعاً من منظومة قيم أصيلة تشكلت من البيئة والعادات والتقاليد الإماراتية.
وقال الخييلي إن العطاء الحقيقي هو انعكاس لإنسانية الإنسان، وهو نتاج للفكر والتربية والعادات والتقاليد التي نشأ عليها، مشيراً إلى أن شخصية الشيخ زايد كانت امتداداً أصيلاً لقيم المجتمع الإماراتي القائمة على الكرم والتكافل، والتي تعلمها منذ صغره عبر ارتياد المجلس.
وسرد الخييلي مواقف عايشها مع الشيخ زايد، وعكست اهتمامه بالإنسان قبل أي شيء آخر، موضحاً أنه لم يكن ينظر إلى من يعملون معه باعتبارهم موظفين، بل كأبناء وإخوة، مشيراً إلى أن أحد المواقف التي بقيت عالقة في ذاكرته تمثل في متابعته الشخصية لأحوال العاملين والمرافقين له، وحرصه على الاطمئنان عليهم في مختلف الظروف، مؤكداً أن «المناصب القيادية شيء، والإنسانية شيء آخر، وكان الشيخ زايد نموذجاً يجمع بين الاثنين».
كما لفت إلى أن القائد المؤسس كان يولي أهمية كبيرة للاستماع للناس والتعرف إلى احتياجاتهم بشكل مباشر عبر إقامة «البرزات» التي استمرت إقامتها إلى اليوم، معتبراً أن «البرزات» والزيارات كانت إحدى أهم أدواته لفهم احتياجات المجتمع، متذكراً أن الشيخ زايد طيب الله ثراه كان دائماً ما يردد عليهم أنه: «إذا لم تسمع للناس بتمعن وإنصات فلن تعرف مشكلاتهم، وإذا لم تعرف المشكلة فلن تستطيع حلها».
وأكد أن العمل الإنساني الذي أرساه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قام على عدة مبادئ أساسية، أبرزها أن كرامة الإنسان تأتي في المقام الأول، وأن العطاء يجب أن يكون واسعاً وشاملاً، إضافة إلى مبدأ «الإنسانية بلا حدود» الذي لا يميز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو اللون، مشيراً إلى أن الشيخ زايد أسس مبكراً منظومة مؤسساتية للعمل الإنساني، من بينها مؤسسة زايد للأعمال الخيرية والإنسانية وصندوق أبوظبي للتنمية، بهدف دعم المشاريع التنموية ومساعدة الدول الصديقة.
وأوضح أن هذه المنظومة تطورت لاحقاً لتشمل عدداً كبيراً من المؤسسات والمبادرات وصلت إلى 14 جهة إنسانية وتنموية، تعمل تحت مظلة مؤسسة إرث زايد الإنساني، مشيراً إلى أن هذه الجهود أسهمت في تنفيذ أكثر من 200 برنامج ومشروع إنساني استفاد منها ما يزيد على 130 مليون شخص في أكثر من 90 دولة حول العالم.
بدورها، أكدت المدير العام بالإنابة لمؤسسة محمد بن زايد للأثر الإنساني، الدكتورة شما المزروعي، أن التجربة التنموية لدولة الإمارات في سنواتها الأولى شكلت الأساس الذي استندت إليه الدولة في نهجها الإنساني العالمي، مشيرة إلى أن ذاكرة البدايات الصعبة في مجالات الصحة والتعليم مازالت حاضرة في وجدان الإماراتيين، وقد عززت تلك التجربة قناعة الدولة بأهمية مساعدة الدول الأخرى التي تواجه تحديات مشابهة.
وقالت إن هذه الرؤية انعكست في مبادرات إنسانية عالمية، من بينها إطلاق «صندوق البدايات» بقيمة 500 مليون دولار، الذي يهدف إلى تحسين خدمات الرعاية الصحية للأمهات والأطفال في الدول الأكثر احتياجاً، مع تطلع لإنقاذ نحو 300 ألف شخص بحلول عام 2035.
وأضافت المزروعي أن التحديات التي يشهدها العالم اليوم، خصوصاً في مجال تمويل الصحة العالمية، تتطلب نماذج جديدة للعمل التنموي، لذا يتميز نموذج الإماراتي بكونه يجمع بين حجم الدعم والتنظيم المؤسسي والتركيز على تحقيق الأثر المستدام، مستشهدة بموقف إنساني للشيخ زايد يعكس فلسفة الإمارات في العمل الإنساني، عندما وافق على دعم مشروع آبار مياه في إثيوبيا خلال فترة كانت تشهد فيها اضطرابات سياسية كبيرة.
وتابعت أن رد الشيخ زايد طيب الله ثراه آنذاك كان واضحاً حيث قال إن «حق الماء النظيف هو حق للبشرية، وليس له علاقة بالسياسة»، مشددة على أن هذه العبارة تختصر جوهر النهج الإماراتي القائم على تقديم المساعدة بعيداً عن الحسابات السياسية.
وأكد المتحدثان أن الاستثمار في الإنسان يبقى الركيزة الأساسية التي تقوم عليها رؤية الإمارات التنموية والإنسانية، وأن بناء الإنسان يبدأ من التعليم والأسرة وتعزيز المسؤولية المجتمعية للمؤسسات، وأن هذه العناصر الثلاثة تمثل الأساس لترسيخ إرث الشيخ زايد في الأجيال القادمة.
وشددا على أن إرث الشيخ زايد لم يكن مجرد إنجازات مادية، بل منظومة قيم تقوم على التلاحم والتعايش وخدمة الإنسان، وأن رسالة الشيخ زايد الإنسانية مازالت حاضرة في سياسات ومبادرات دولة الإمارات، وأن ترجمة هذه القيم إلى عمل مؤسسي مستدام تمثل الطريق للحفاظ على هذا الإرث وتعزيزه في المستقبل.








