سطّرت الأم الإماراتية، وضحة محمد المطوع، قصة إنسانية مُلهِمة، إذ خاضت رحلة أمومة استثنائية، ربّت خلالها ستة أبناء في مراحل تعليمية مختلفة، واضعةً نصب عينيها هدفاً واضحاً يتمثّل في بناء جيل واعٍ وقادر على مواجهة الحياة بثقة وإيجابية، رغم تعقيدات الطريق وتشعب مسؤولياته.
وضمن هذه الرحلة، واجهت تحديات مضاعفة برعاية اثنين من أصحاب الهمم، أحدهما مصاب بمتلازمة داون، والآخر بطيف التوحّد، غير أن هذه التحديات لم تكن عائقاً في مسيرتها، بل تحوّلت إلى مصدر قوة وإلهام، صاغت من خلاله نموذجاً حياً للأم الصابرة وصانعة الأجيال، التي استطاعت بالإيمان والعزيمة أن تحوّل الصعوبات إلى إنجازات تُحتذى.
واستهلت وضحة المطوع، لقاءها مع «الإمارات اليوم»، بحديثها عن الأمومة قائلة: «الأمومة رسالة ممتدة وليست دوراً عابراً»، مؤكدةً بأن أبناءها يُمثّلون بالنسبة لها «أمانة ومشاريع نجاح» تُكرّس لهم كل طاقتها وجهدها، مشيرةً إلى إيمانها العميق بأن الوعي، والحب، والإيجابية تُشكّل مفاتيح أساسية لتجاوز أصعب التحديات والظروف.
وأضافت: «على الرغم من فترات العمل الطويلة التي مررت بها، فإن انشغالي المهني لم يكن عائقاً أمام حضوري الأسري، بل كنت أعود إلى المنزل بشوق أكبر، أستمد طاقتي من دفء أبنائي، لأواصل رحلة العطاء معهم بروح متجددة، وقد حرصت على أن أكون حاضرة في حياتهم بشكل يومي، لأسهم في بناء شخصياتهم، وأصنع الفارق في مسيرتهم نحو النجاح».
وتابعت: «بدأت مسيرتي التربوية مع أبنائي الكبار، الذين أصبحوا بفضل ما غرسته فيهم من قِيَم سنداً حقيقياً لي، يشاركونني مسؤولية رعاية إخوتهم، ويُجسّدون أثر التربية القائمة على الحب والانضباط والالتزام منذ الصغر، إلا أنني واجهت تحديات مضاعفة في حياتي بدأت مع رعاية اثنين من أبنائي من أصحاب الهمم، أحدهما مصاب بمتلازمة داون، والآخر بطيف التوحّد، بجانب ظل محدودية الوعي المجتمعي آنذاك وغياب منظومات الدعم المساندة، لكنني واجهت هذا التحدي بالإيمان والعزيمة، وحرصت على تثقيف نفسي بكل ما يتعلق بحالتهما، فكرّست وقتي وجهدي لتوفير الرعاية الصحية والتعليمية والسلوكية التي يحتاجان إليها، بالتوازي مع رعايتي لبقية أبنائي وإدارة شؤون أسرتي، مؤمنة بأن لكل جهد ثمرة، وأن الإرادة تصنع الفارق».
وتابعت: «لم تتوقف رحلتي عند حدود أسرتي، بل شعرت بمسؤولية أوسع دفعتني إلى الانفتاح على تجارب الآخرين، فحرصت على حضور المؤتمرات والورش المتخصصة داخل الدولة وخارجها، بحثاً عن المعرفة وتبادل الخبرات، كما انخرطت في العمل التطوعي، لأكون سنداً حقيقياً لأسر تمر بالتجربة ذاتها، أشاركهم ما تعلمته، وأمنحهم الأمل الذي كنت أبحث عنه في بداياتي. وفي كل خطوة، كان أبنائي شركاء في هذه الرحلة، يحيطونني بالدعم النفسي والمعنوي، ويتعلمون من تفاصيلها معنى العطاء الحقيقي، وأهمية الوقوف إلى جانب الآخرين، وهو ما أعتز بأنه أصبح جزءاً من شخصياتهم وقيِمَهم».
وتطرقت وضحة في حديثها إلى رؤيتها التربوية، حيث قالت: «ترتكز فلسفتي في التربية على منظومة قِيَم راسخة مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، تشمل الإيمان، والصدق، والتسامح، والاجتهاد، والانضباط، فأنا لم أميز يوماً بين أبنائي، بل غرست فيهم القِيَم ذاتها إيماناً مني بأن كل إنسان قادر على التميّز متى ما وجد البيئة الداعمة».
وتضع وضحة، كما تقول، الأمومة في صدارة أولوياتها، معتبرة أن الأم هي المدرسة الأولى وصانعة المستقبل، وأن ما يراه الأبناء في سلوكها ينعكس في شخصياتهم، وهو ما بدا جلياً في روح التعاون والمحبة التي تسود أسرتها.
وأشارت وضحة إلى أن تتويجها بلقب «الأم المثالية لعام 2026»، ومنحها لقب «سفيرة الأمهات المثاليات في الشرق الأوسط» من الجامعة الدولية الأميركية للعلماء والمستثمرين، يُمثّلان محطة إنسانية عميقة تختلط فيها مشاعر الفخر بما تحقق، والامتنان لكل من آمن بدورها وساندها في رحلتها، وقالت: «التكريم ليس مجرد منصة أو شهادة، بل هو رسالة تقدير لكل ما بُذل من جهد وصبر، ويمنحني شعوراً بأن ما قدمته كان له أثر حقيقي يستحق الاحتفاء».
وأكّدت أن هذا التكريم جاء تقديراً لإسهاماتها البارزة، وإنجازاتها المتميّزة، بينما عبّرت الجهة المانحة عن فخرها بمنحها هذا اللقب، لما تُمثّله من نموذج مُلهِم وتأثير إيجابي في المجتمع، وقالت وضحة: «على الرغم من قيمة هذا التقدير، فإن أعظم تكريم أعتز به يظل في بر أبنائي لي ووقوفهم إلى جانبي، فهم ثمرة الرحلة وأجمل إنجازاتها»، مشيرة إلى أن هذا التقدير المجتمعي يُشكّل دافعاً لمواصلة العطاء بالروح الإيجابية ذاتها، وبإيمان راسخ بأن لكل جهد صادق أثراً لا يضيع.
ووجّهت وضحة المطوع، رسالة لكل أم، قالت فيها: «أنتِ مصدر النور الأول في حياة أبنائكِ، ومنكِ يستمدّون القوة والإلهام. قد يبدو الطريق صعباً أحياناً، لكنّ حضوركِ الصادق، ودعاءكِ المستمر، وحنانكِ الذي لا ينضب، هي الأسس التي يُبنى عليها نجاحهم الحقيقي، لا تستهيني بأي جهد تبذلينه، فكل لحظة عطاء تترك أثراً عميقاً في مستقبلهم»، وأضافت: «تجربتي علّمتني أن المحن ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بدايات مختلفة تحمل في طياتها فرصاً للنمو والتغيير، وبالإيمان والصبر والإصرار، يمكن تحويل التحديات إلى قصص نجاح تُلهِم الآخرين، وتصنع من الألم قوة، ومن الصعوبات دروساً تفتح أبواب الأمل لمن يمرون بالتجربة ذاتها».

