أكد أستاذ علم الاجتماع في عدد من الجامعات الإماراتية رئيس المجلس الاستشاري الأسري الإماراتي، الدكتور أحمد عبدالله آل علي، أن التحولات الرقمية غيّرت طبيعة التواصل داخل الأسرة، وفرضت تحديات جديدة على الوالدين في تربية الأبناء وحمايتهم، مشدداً على أن مواجهة مخاطر التكنولوجيا لا تتحقق بمنع الأجهزة أو تحديد ساعات استخدامها فحسب، بل ببناء وعي الأبناء وتعزيز قدرتهم على التمييز بين المحتويين المفيد والضار، وصولاً إلى تحويل الرقابة الأسرية تدريجياً إلى رقابة ذاتية.
وأوضح آل علي، خلال بودكاست «وتين» التابع لهيئة الرعاية الأسرية، أن الأجهزة الإلكترونية بعد أن باتت جزءاً من الحياة اليومية لجميع أفراد الأسرة، غيّرت من شكل العلاقات الأسرية وطبيعة التواصل بين أفرادها، إلا أن تأثيرها يرتبط بمدى قوة البناء النفسي والقيمي للأبناء، وقدرة الأسرة على توفير بيئة قائمة على الحوار والثقة وترسيخ القيم الإماراتية والعربية الأصيلة، بما يحقق التوازن بين مواكبة التطوّر التقني والمحافظة على الهوية الوطنية.
وأشار إلى أن من أبرز التحديات تأثر المراهقين بالمحتوى الذي تعرضه منصات التواصل الاجتماعي، واتخاذ بعض المشاهير والمؤثرين نماذج للنجاح والسعادة، ما قد يولّد لديهم القلق والشعور بالإخفاق عند العجز عن تقليد أنماط حياتهم، محذراً من اختزال السعادة في المظاهر الاستهلاكية والمقتنيات بدلاً من إدراك معانيها المرتبطة بالرضا والاستقرار النفسي.
وشدّد على أن حماية الأبناء تتطلب معرفة أصدقائهم عبر الإنترنت، والألعاب والتطبيقات التي يستخدمونها، ومراجعة محتواها قبل السماح بتثبيتها، فضلاً عن التعرف إلى خصائص الحماية المتاحة في الأجهزة والاستفادة منها، مثل اشتراط موافقة الوالدين قبل حفظ أرقام جديدة أو التواصل معها. ولفت إلى أن بعض أولياء الأمور يفتقرون إلى المعرفة الرقمية اللازمة لاستخدام هذه الخصائص، ما يستدعي تكثيف برامج التوعية وتدريب الأسر على أدوات الحماية.
ونبه آل علي، إلى أن التربية لا تقوم على التشدد والإجبار، بل على الحوار والتوجيه وإعداد الأبناء لتحمل مسؤولية قراراتهم، داعياً إلى تعزيز مهاراتهم الاجتماعية والعاطفية والقيادية من خلال برامج في المدارس والجامعات، إلى جانب التحصيل العلمي، لافتاً إلى أن تحديد أوقات استخدام الأجهزة، والحدّ من استخدامها، يمثلان إجراءين مهمين، لكنهما لا يكفيان وحدهما، إذ لا يمكن للوالدين مراقبة الأبناء باستمرار، خصوصاً مع تقدمهم في العمر، ما يجعل غرس القيم وتعزيز قدرتهم على التمييز بين الصواب والخطأ أساساً لحمايتهم.
مسؤولية مشتركة
وأكد أن مسؤولية الحماية الرقمية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع وشركات التكنولوجيا، وتتطلب مبادرات توعوية ودراسات وأدلة إرشادية تساعد أولياء الأمور على فهم المخاطر واتخاذ الإجراءات المناسبة، مشيراً إلى أهمية أن تواكب القرارات الحكومية التنظيمية الهادفة إلى حماية الأطفال من مخاطر منصات التواصل الاجتماعي، جهود تربوية وتوعوية لضمان سلامة تطبيقها وتحقيق أهدافها، لافتاً إلى أن منع الأجهزة أو سحب الهواتف من الأبناء بصورة مفاجئة ليس حلاً كافياً لمشكلة التعلق بالشاشات، بل ينبغي توفير بدائل عملية وجاذبة تناسب أعمارهم واهتماماتهم، مثل ممارسة الرياضة واكتساب المهارات الجديدة والمشاركة في الأنشطة العائلية والاجتماعية والتعرف إلى تاريخ الدولة وتراثها.
ودعا وشدد آل علي أولياء الأمور إلى الاستفادة من الخدمات الاستشارية التي تقدمها الجهات الاجتماعية والأسرية، وعدم التردد في طلب المساعدة من المختصين النفسيين والاجتماعيين عند مواجهة تحديات تربوية أو سلوكية تتجاوز خبرة الأسرة، مؤكداً أن الاستعانة بالمتخصصين ليست دليلاً على ضعف الوالدين، بل هي استثمار في الأبناء ومستقبلهم، مشدداً على أن الأسرة تُمثل خط الدفاع الأول لحماية الأبناء في العالم الرقمي، وأن المطلوب ليس عزلهم عن التكنولوجيا، وإنما تمكينهم من استخدامها بوعي ومسؤولية، مع المحافظة على قيمهم وهويتهم، وإعدادهم لمتطلبات المستقبل.
الدكتور أحمد آل علي:
. الأجهزة الإلكترونية غيّرت طبيعة التواصل بين أفراد الأسرة، وتأثيرها يرتبط بمدى قوة البناء النفسي والقيمي للأبناء.









