شهدت سموّ الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، فعاليات قمة الإعلام العربي 2026، التي تعقد برعاية صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، “رعاه الله”، ويُنظِّمها نادي دبي للصحافة، خلال الفترة من 15 إلى 17 سبتمبر الحالي، وتستضيف نخبةً من أبرز الشخصيات والقيادات الإعلامية والفكرية والأكاديمية، وصُنّاع المحتوى والمؤثرين، والمعنيين بقطاع الإعلام من داخل الدولة ومختلف أنحاء العالم العربي.
وألقت سموّها كلمةً رئيسية بعنوان “هكذا تُكتَب سيرة المدن”، وذلك بحضور سموّ الشيخ محمد بن راشد بن محمد بن راشد آل مكتوم؛ ونائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، رئيس اللجنة التنظيمية لقمة الإعلام العربي منى غانم المري، تطرّقت فيها للحديث عن قوة الثقة، مشيرةً إلى أنها لا تُصنع فجأة، بل تنمو مع الوقت، وتكبر بالتجارب، وتترسّخ حين تتطابق الأقوال مع الأفعال، وهذه الثقة تُوَلِّد الإيمان بمستقبل مشرق.
وأكدت سموّها أن دبي ودولة الإمارات تجاوزتا منذ وقت طويل مرحلة بناء السمعة إلى بناء الثقة، وهذه الثقة لم تتشكّل في أوقات الازدهار وحدها، بل ترسّخت أكثر في أوقات التحدي؛ حين أثبتت قيادتنا أنّ الإنسان يأتي أولاً؛ فكانت حاضرة معه ولأجله، وحين أثبتت مؤسساتنا قدرتها على الاستجابة السريعة، وحماية الإنسان، وضمان استمرارية حياته وأعماله. هنا تحوّلت الثقة من قيمة نتحدث عنها إلى تجربة يعيشها الناس بأنفسهم، وتحوّلت المسؤولية من دور مؤسسي إلى حالة مجتمعية فريدة يشارك فيها الجميع.. وتحوّلت القيم إلى أفعال، وأظهر مجتمعنا -متعدد الثقافات والجنسيات- قدرته الاستثنائية على التضامن والتماسك.
وعبّرت سمو الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم عن فخرها بالمشهد الإماراتي المشرّف الذي تمثّل في حكمة الدولة في مواجهة الأزمات، ولاسيّما خلال العدوان الأخير، حيث قالت: شهدنا أمراً يثلج الصدر.. رأينا مدى قرب قيادتنا وشيوخنا من الشعب، واعتزاز شعب الإمارات بوطنه وهويته، وتمسكه بالمبادئ الإماراتية وبالنهج الذي رسمه لنا الآباء المؤسسون، “طيّب الله ثراهم”، هذا النهج الذي يسير عليه اليوم قادتنا، صاحب السموّ الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، “حفظه الله”، وصاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، “رعاه الله” وكنا نتوقع هذا الالتفاف من شعبٍ أخلص لرفعة وطنه، وأحب ولي أمره الذي أخلص بدوره لرفعة شعبه ومما أثلج صدورنا أكثر التفاف المقيمين في الدولة، والمستثمرين، وكل من اختار أن يعيش على هذه الأرض الطيبة حول قيادتها، ودفاعهم عنها بكل حب وإخلاص، وهو موقف نعتز به.
وذكرت سموّها أنّ كثيرين نظروا لهذا المشهد، وفي أصعب الظروف التي مرت بها دولة الإمارات، بعين الشك والنقد، في الوقت الذي كانوا يتوقعون فيه مغادرة أعداد كبيرة من الناس للبلاد وبأسرع وقت، والبعض غادر، ولكن البقية اختارت أن تبقى، وفي هذا الجانب قالت سموّها: “توقّع الكثيرون أن يكون هناك مقابل وراء الدفاع عن الإمارات، وأنا أؤكد للجميع اليوم صحة ذلك، فالمقابل أنهم عاشوا في بلد وضع الإنسان في قلب التنمية والتطور والإعمار، وجعل مخرجات هذا التطور تصب في خدمته”. مشيرةً سموّها إلى أنّ كل من يعمل في القطاع الحكومي في دبي يعلم بأنّ صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وضع هدفاً واضحاً تسعى كل الدوائر والمؤسسات الحكومية لإنجازه، وهو سعادة وراحة ورفاهية كل من يعيش على هذه الأرض. وعندما تعمل كل المؤسسات والأنظمة والتحوّلات الإستراتيجية لخدمة وراحة ورفاهية الإنسان؛ تُبنَى لديه الثقة في هذا البلد وقيادته وحكومته.
وتحدثت سموّها عن عقلية الإمكان في دبي ودولة الإمارات، قائلةً: حبانا الله قيادةً لا تعرف المستحيل، حقّقت نجاحات متتالية في شتى القطاعات والمجالات، وعزّزت تنافسيتنا العالمية. وسبب هذه النجاحات والإنجازات ليس فقط كفاءة فرق العمل، أو حجم المشاريع والاستثمارات، أو قوة وصلابة البنية التحتية، بل عقلية الإمكان التي تدفعنا نحو الإنجاز وتجعل أنظارنا دائماً على المركز الأول” لافتةً إلى أنّ دولة الإمارات آمنت بأبناء شعبها وبقدراتهم، واستثمرت فيهم وفي كل من اختار أن يعيش على أرضها، حتى زرعت فيهم عقلية الإمكان والأمل، ومنحتهم المساحة والأدوات والبنية التحتية والعلم والأنظمة التي سهّلت لهم النجاح، وسخّرت لهم في الوقت ذاته كل سبل الراحة والرفاهية، وصنعت لهم بيئة تجعلهم شركاء حقيقيين في صناعة المستقبل، فأصبح النجاح من حق الجميع ومقروناً بالاجتهاد والعمل. مؤكدةً سموّها أنّ القيمة الأعمق في التجربة الإماراتية ليست في قائمة إنجازاتها، مهما كانت كبيرة، بل في النهج والعقلية التي جعلت هذه الإنجازات ممكنة.
ولفتت سموّها إلى أنّ دبي نجحت كمدينة عالمية في جذب السياح والمستثمرين والمقيمين من مختلف أنحاء العالم، مشيرةً إلى أنّه من السهل أن تجذب المدن الناس بالفرص، والعمل، والاستثمارات، لكن الجذب وحده لا يصنع انتماءً، فالانتماء ينشأ حين يشعر الإنسان أنّ علاقته بالمكان لا تقتصر على ما يحصل عليه منه، بل على ما يستطيع أن يضيفه إليه، فيصبح لوجوده قيمة، وله دور في صنع المستقبل. وهنا يكمن الفرق بين جذب الناس وبين منحهم سبباً للانتماء.
وتطرقت سموّها للحديث عن واقع الإعلام الذي تغيّرت طبيعته وأدواته، حيث لم تعد المعلومة نادرة، ولا الوصول إلى الجمهور صعباً، ولا صناعة المحتوى حكراً على أحد.
وقالت إن الذكاء الاصطناعي سهّل مهمة إنتاج المحتوى وتحويل الأفكار إلى قصص تصل إلى العالم بسرعة مشيرةً إلى أنه وسط هذه الوفرة الهائلة، تبرز الثقة كقيمة أساسية أكثر من أي وقت مضى، لافتةً سموّها إلى أنّ العالم يشهد اليوم تدفقاً غير مسبوق للمحتوى المُنتَج بالذكاء الاصطناعي، والذي يحصد ملايين، بل مليارات المشاهدات، بالتوازي مع انتشار المعلومات المضللة عبر منصات التواصل الاجتماعي. وفي ظل تزايد القدرة على تزييف المحتوى والتلاعب به، أصبح المتلقي أقل ثقة بما يراه ويقرأه، ما يضع مصداقية الأخبار والمعلومات أمام تحدٍ كبير.
وأضافت أن هذا التحدي يكتسب أهمية خاصة في العالم العربي، حيث يشكّل من هم دون سن الثلاثين أكثر من 55% من السكان. ورغم أن هذا الجيل هو الأكثر اتصالاً في التاريخ، إلا أنه الأكثر إدراكاً ووعياً لخطورة انتشار الأخبار المزيفة والمفبركة. مؤكدةً أن الخطر الحقيقي يبدأ حين يصبح كل شيء قابلاً للتزييف، فتتراجع الثقة حتى في الحقيقة نفسها.
وأوضحت سموّها أنه كلما أصبحت صناعة القصص ونشرها أكثر سهولة بفضل التكنولوجيا، ازدادت قيمة التجربة الإنسانية الحقيقية. فالتكنولوجيا قادرة على تضخيم القصة وتجميلها ونشرها في ثوانٍ، لكنها لا تستطيع أن تحل محل التجربة الإنسانية الصادقة والعفوية؛ إذ تبقى هي ما يمنح القصة معناها، ويجعلها أكثر قدرة على بناء الثقة.
وأكدت سموّها أنّ أكثر القصص صدقاً وتأثيراً هي ليست التي يرويها المكان عن نفسه، بل التي تجعل سكانه يروونها عنه بما توفره لهم من ثقة وانتماء وإمكانات، فالمدن الناجحة تجذب الناس، بينما المدن العظيمة فتجعلهم جزءًا من صناعة مستقبله، وفي هذا الجانب تطرقّت سموّها للحديث عن رصيد منطقتنا العربية الاستثنائي من التاريخ والثقافات والحضارات العريقة، واللغة التي حملت الفكر والشعر والمعرفة عبر قرون، والطاقات البشرية، والمواهب والأجيال الشابة التي تمتلك اليوم القدرة على التواصل مع العالم أكثر من أي جيل آخر. مؤكدةً سموّها أنه لو منحنا الثقة لهذه الأجيال وأتحنا لها الفرصة لصناعة المستقبل؛ فإنها لن تكتفي بالفرص المتاحة، بل ستصنعها، وستُحدث تحوّلاً نوعياً وستقود التغيير بكل جدارة.
واختتمت سموّها كلمتها بالحديث عن مدرسة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قائلةً: “تعلمنا من مدرسة محمد بن راشد أن العمل بإخلاص وبِنيَّة صادقة يسبق الإنجاز.. والإنجاز هو الذي يتحدث عن نفسه”.









