في زمنٍ أصبحت فيه العقول تعبر القارات بضغطة زر، وتتدفق فيه الأفكار والثقافات بلا حواجز، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف نربي جيلاً يحمل وطنه في وجدانه، ويعرف جذوره مهما امتدت به الطرق، ويظل وفياً لرايته مهما اتسعت أمامه آفاق العالم؟
الإجابة تبدأ من القلب، فالهوية شعور عميق بالانتماء، ولعل أعظم ما تقدمه الأسرة لأبنائها أن تمنحهم وطناً يسكن داخلهم، فالأم التي تحكي لأطفالها قصص المؤسسين، والأب الذي يعلّم أبناءه احترام رموز الوطن، والأسرة التي تحافظ على لغتها وقيمها وعاداتها الأصيلة، إنما تبني حصون الهوية في نفوس أبنائها، كما أن المدرسة ليست مكاناً لتلقين المعرفة فقط، بل هي مصنع للانتماء تُغرس فيها معاني المسؤولية الوطنية.
وقد قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً ملهماً في ترسيخ هذا المعنى حين شاهد العالم كيف وقف أبناء الوطن صفاً واحداً خلف قيادتهم خلال مختلف التحديات والأزمات، وكيف تجلت قيم الولاء والانتماء في صور إنسانية ومجتمعية مشرقة، ولم يكن ذلك وليد اللحظة، بل ثمرة سنوات طويلة من الاستثمار في الإنسان.
إن الجيل الذي يعرف تاريخ وطنه ويحفظ لغته ويعتز بقيمه، وينفتح على العالم بثقة دون أن يذوب فيه هو الجيل القادر على صناعة المستقبل، ولهذا فإن المحافظة على الهوية ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتتعزز في المدرسة، وتُصقل عبر الإعلام والثقافة والمجتمع.
خبيرة التربية الابتكارية وأساليب التعلم المجتمعي.
الدكتورة فاطمة المراشدة








