أكد مستخدمون لوسائل التواصل الاجتماعي التأثير العميق للمحتويين الأسري والنفسي اللذين يتابعونهما عبر المنصات الرقمية، مستعرضين أمثلة على مقاطع ساعدتهم على فهم بعض المواقف وتحسين أساليب التعامل.
وأكد آخرون أن المحتوى الذي تابعوه تسبب في حالات سوء فهم، بعدما قدّم لهم تصورات غير واقعية عن العلاقات الأسرية.
في المقابل، حذّر مختصون من اللجوء إلى مقاطع الفيديو المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على إجابات سريعة لمشكلات أسرية معقدة، مؤكدين أن «الاستشارات السريعة» قد تقود إلى «تشخيصات خاطئة» تتبعها قرارات مصيرية، مثل الطلاق.
وأوضحوا أن من أبرز الآثار السلبية لهذه الظاهرة زيادة سوء الفهم بين أفراد الأسرة، وانتشار ثقافة «التشخيص المتبادل» بإطلاق أوصاف نفسية على الآخرين دون أسس علمية.
ودعوا إلى الاستفادة من المحتوى النفسي والتوعوي الذي يقدمه مختصون مؤهلون لنشر الوعي.
وتفصيلاً، قالت موزة المزروعي إن من أكثر الظواهر التي لاحظتها انتشار إطلاق مصطلح «الزوج النرجسي» على أي تصرف سلبي أو خلاف داخل العلاقة الزوجية. وفي المقابل، أكدت وجود محتوى مفيد يطرح موضوعات نفسية وأسرية بأسلوب علمي ومتوازن، مثل تأثير «صدمات الطفولة».
وأضافت أنها استفادت من بعض المقاطع التوعوية، ومنها مقطع ساعدها على التحكم في الغضب أثناء الخلافات الزوجية، مشيرة إلى مقطع للدكتورة شيخة بن حريز، تناول الفرق بين امرأة تنجح في علاقتها الزوجية وأخرى تواجه صعوبات، مبيناً أن التوازن في العلاقة لا يكون بالملاحقة المستمرة أو الابتعاد الكامل، وإنما بمعرفة متى يحتاج الطرف الآخر إلى القرب ومتى يحتاج إلى مساحة، مع الحفاظ على التواصل والتفاهم.
وقال المهندس مانع النقبي، إن من المقاطع التي لفتت انتباهه فيديو توعوياً يبيّن أهمية تخصيص وقت يومي للحوار بين أفراد الأسرة، مشيراً إلى أن هذا النوع من المحتوى يقدم قيمة حقيقية عندما يطرح حلولاً عملية تعزز الترابط الأسري، دون أن يدّعي معالجة جميع المشكلات.
وقالت منى عبدالله، إن بعض الأشخاص يلجأون إلى منصات مثل «إنستغرام» و«يوتيوب» و«البودكاست» بحثاً عن إجابات أو تجارب مشابهة لمشكلاتهم، إلا أن النصائح العامة لا تتناسب بالضرورة مع خصوصية كل حالة.
من جانبها، حذّرت استشارية الصحة النفسية والخبيرة التربوية الأسرية، الدكتورة هالة إبراهيم الأبلم، من تزايد لجوء الأفراد إلى تشخيص أنفسهم أو شركائهم بالاعتماد على مقاطع قصيرة في منصات التواصل الاجتماعي، ووصفتها بأنها من أخطر الظواهر الحالية، مشيرة إلى أن البعض أصبح يطلق أوصافاً مثل «النرجسية» أو «الصدمات النفسية» أو غيرها من الاضطرابات استناداً إلى فيديو لا تتجاوز مدته دقيقة.
وأوضحت لـ«الإمارات اليوم» أن هذا السلوك قد يؤدي إلى تأخر الوصول إلى التشخيص الصحيح، وزيادة مشاعر القلق والخوف، فضلاً عن ظلم الطرف الآخر بإلصاق تشخيص غير دقيق به، ما قد ينعكس سلباً على العلاقة الأسرية.
وأضافت أن الاعتماد على معلومات مجتزأة قد يدفع البعض إلى اتخاذ قرارات مصيرية، مثل الطلاق، دون فهم الأسباب الحقيقية للمشكلة، والتي قد تكون مرتبطة بضعف مهارات التواصل أو الضغوط الحياتية، وليس بسبب اضطراب نفسي.
وأكدت أن التشخيص عملية علمية تستند إلى مقابلات متخصصة وتقييمات وأدوات محددة، ولا يمكن اختزاله في محتوى قصير إذا تشابه مع تجربة تُعرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وبيّنت أن اللجوء إلى المحتوى القصير على منصات التواصل الاجتماعي بدلاً من الاستشارة المتخصصة يعود إلى مجموعة من العوامل النفسية والاجتماعية، أبرزها سهولة الوصول إلى المحتوى في أي وقت ودون كلفة أو حاجة إلى حجز مواعيد، إلى جانب رغبة كثيرين في الحصول على إجابات سريعة لمشكلات معقدة، وهو ما يُعرف في علم النفس بـ«التفكير المختصر».
وأوضحت أن بعض الأشخاص يتجنبون طلب الاستشارة الأسرية أو النفسية بسبب الشعور بالحرج أو الخوف من الوصمة الاجتماعية، فيما تسهم خوارزميات منصات التواصل في تعزيز هذا التوجه، إذ تعرض للمستخدم محتوى يتوافق مع اهتماماته، ما يمنحه انطباعاً بأن هذا المحتوى يفهم مشكلته أكثر من المختص.
ولفتت إلى أن انتشار المؤثرين الذين يقدمون أنفسهم على أنهم خبراء، على الرغم من افتقار بعضهم إلى التأهيل العلمي، يعزز ثقة الجمهور بهذه المقاطع، مؤكدة أن المحتوى التوعوي لا يمكن أن يكون بديلاً عن التشخيص المهني، لأن «لكل أسرة ظروفها الخاصة التي تتطلب تقييماً متخصصاً وحلولاً تناسب حالتها».
وذكرت أن تبادل أفراد الأسرة مقاطع قصيرة بدلاً من التحاور المباشر قد يترك آثاراً نفسية وسلوكية سلبية، من أبرزها زيادة سوء الفهم داخل الأسرة، خصوصاً عندما يستخدم أحد الأطراف مقطعاً لإثبات خطأ الطرف الآخر أو إقناعه بأنه يعاني مشكلة معينة.
وأضافت أن هذه الظاهرة تسهم أيضاً في انتشار ما وصفته بـ«ثقافة التشخيص المتبادل»، حيث يبدأ الزوج أو الزوجة أو الأبناء بإطلاق أوصاف أو تشخيصات نفسية على بعضهم بعضاً دون معرفة علمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى تصنيف الأشخاص بشكل مبسط بين «سوي» و«مريض»، متجاهلين تعقيد الشخصية الإنسانية واختلاف الظروف الفردية.
وقالت إن المحتوى المتداول على منصات التواصل قد يرفع سقف التوقعات في العلاقة الزوجية، حيث يبدأ كل طرف بمقارنة حياته بما يشاهده على الإنترنت، الأمر الذي قد يزيد من مشاعر الإحباط ويؤدي إلى تصاعد الخلافات.
وأوضحت أن المشكلة تتفاقم عندما يعتقد الشخص أنه أصبح أكثر معرفة من المختصين، فيرفض طلب المساعدة المهنية، أو عندما يؤدي المحتوى إلى زيادة مشاعر القلق والخوف والشك، فيستمر في البحث عن تفسيرات عبر المنصات الرقمية بدلاً من مواجهة المشكلة والعمل على حلها.
وأشارت الأبلم إلى أن علم النفس يصف هذه الحالة أحياناً بـ«وهم المعرفة»، حيث يشعر الفرد بأنه أصبح خبيراً لمجرد متابعته محتوى ما، على الرغم من أن المعرفة الحقيقية تتطلب فهماً علمياً وتقييماً متخصصاً لكل حالة.
بدورها، قالت الأخصائية النفسية، حصة الرئيس، إن منصات التواصل الاجتماعي تشجع على طلب المساعدة المتخصصة عند الحاجة، إلا أنه ينبغي التعامل معها كوسيلة للتثقيف فقط، لا للتشخيص أو العلاج أو اتخاذ قرارات مصيرية.
وأضافت أن الاستفادة من هذا المحتوى تكون عندما يقدمه مختصون مؤهلون ويهدف إلى تعزيز الوعي، وليس إلى تقديم حلول جاهزة أو تشخيص الحالات «عن بُعد».
ونصحت بعدم بناء القرارات الأسرية أو النفسية على مقاطع قصيرة، مهما بدت مقنعة، مؤكدة أن الاستشارة المهنية مع الأخصائي النفسي أو الأسري تظل الخيار الأكثر أماناً، لأنها تستند إلى تقييم علمي شامل يراعي خصوصية كل فرد وأسرة، ويضمن تقديم التدخل المناسب بما يعزز الاستقرار النفسي والأسري.
ودعا المستشار الأسري والمتخصص في العلاقات الأسرية والاجتماعية، الدكتور إسماعيل كامل البريمي، إلى التحقق من موثوقية محتوى المنصات الرقمية، ومن خبرات ومؤهلات مقدميه، إلى جانب الاعتماد على الجهات والمؤسسات الرسمية والمختصين لتجنب اتخاذ قرارات مصيرية بناءً على مقطع قصير أو تجربة شخصية لا تنطبق بالضرورة على الجميع.
وأكد أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست خصماً للمختصين، بل تُمثل وسيلة مهمة لنشر المعرفة والتوعية والوصول إلى أفراد المجتمع، مشيراً إلى أن الإشكالية تتمثل في تحوّل المنصات إلى بديل عن الاستشارات المهنية، خصوصاً في القضايا الأسرية الحساسة التي تحتاج إلى تشخيص دقيق وفهم لظروف كل أسرة.
وأشار إلى أهمية دور المؤسسات المعنية بالأسرة في تعزيز الوعي الرقمي لدى أفراد المجتمع، من خلال تطوير مهارات التمييز بين المحتوى التوعوي الهادف والمحتوى غير المهني أو المضلل، مؤكداً أن حماية الأبناء والأسرة لا تقتصر على الجوانب الصحية والفكرية، بل تشمل أيضاً المعلومات المغلوطة التي قد تؤثر في استقرار الأسرة وتماسكها.
وأكد أن تنمية الثقافة الأسرية تعزّز قدرة المتابعين على التعامل مع المعلومات المتداولة، مشيراً إلى أهمية نشر مفاهيم الزواج الناجح، وفهم الحقوق والواجبات، ومهارات الحوار والتواصل، وإدارة الخلافات، واحتياجات الأبناء النفسية والتربوية.
وأضاف: «بعض الأسر تعتمد على المحتوى الرقمي للحصول على معلوماتها، فيما يؤخر بعضها اللجوء إلى المختصين بعد تجربة نصائح متعددة عبر وسائل التواصل»، مؤكداً ضرورة أن يكون المحتوى الرقمي بوابة للتوعية والتثقيف، وليس بديلاً عن المرجعية المهنية المتخصصة.
وحذّر من تأثير بعض المحتويات التي تقدم نصائح سريعة ومختصرة لقضايا أسرية معقدة على يد غير متخصصين، مؤكداً أن التعامل مع هذه القضايا يحتاج إلى فهم شامل وخبرة مهنية، لا إلى حلول جاهزة أو تجارب فردية.
كما أشار إلى المقاطع المتداولة لنماذج أسرية غير واقعية، خصوصاً عند تصوير الحياة الزوجية بصورة خالية من الخلافات، ما قد يخلق مفاهيم خاطئة لدى الشباب والأزواج حول طبيعة العلاقات الأسرية، ويرفع سقف التوقعات بعيداً عن الواقع.
وأضاف أن بعض الأزواج قد يظنون أن حياتهم غير مستقرة لمجرد وجود خلافات، ولا يعون أن نجاح العلاقة لا يعني غياب المشكلات، بل القدرة على إدارتها والتعامل معها.
أنماط متكررة
أكدت استشارية الصحة النفسية والخبيرة التربوية الأسرية، الدكتورة هالة إبراهيم الأبلم، أن هناك أنماطاً متكررة تعكس تأثير الاعتماد على المحتوى المتداول في وسائل التواصل الاجتماعي على فهم المشكلة، وأبرز هذه الأنماط:
• زوجة تابعت سلسلة من المقاطع تتحدث عن «الرجل النرجسي»، فأصبحت تفسّر كل خلاف طبيعي مع زوجها على أنه دليل على إصابته بهذا الاضطراب، إلا أن جلسات الإرشاد أظهرت أن المشكلة الحقيقية كانت ضعفاً في مهارات التواصل وإدارة الخلاف، وليست اضطراباً في الشخصية.
• أحد الآباء تأثر بمقاطع عن التربية الإيجابية، فامتنع تماماً عن وضع حدود لأبنائه خوفاً من التأثير في صحتهم النفسية، ما أدى إلى زيادة السلوكيات غير المنضبطة لديهم، قبل أن يدرك -من خلال الإرشاد – أن التربية الإيجابية تقوم على تحقيق التوازن بين الحزم والدفء.
• شاب اعتقد أنه يعاني «صدمات الطفولة» بعد متابعته محتوى متداول على المنصات الرقمية، لكن التقييم المتخصص بيّن أنه كان يمرّ بضغوط حياتية عابرة تحتاج إلى تنمية مهارات التكيف، وليس إلى تشخيص نفسي.
بعض الأشخاص يتجنبون طلب الاستشارة الأسرية أو النفسية خوفاً من الوصمة الاجتماعية.
تبادل مقاطع الفيديو بدلاً من التحاور قد يترك آثاراً سلوكية سلبية، ويعمّق حالة سوء الفهم.

