أكد أكاديميون وخبراء في التعليم العالي أن رسالة الجامعات لم تعد تقتصر على التعليم والبحث العلمي، بل أصبحت شريكاً رئيساً في التنمية المجتمعية وصناعة الحلول للتحديات الراهنة، من خلال تعزيز انفتاحها على المجتمع، وتوسيع فرص التعلم المستمر، وإطلاق مبادرات نوعية في مجالات الابتكار وريادة الأعمال وخدمة المجتمع.
وشددوا على أن ترسيخ الحضور المجتمعي للجامعات يسهم في دعم الاقتصاد القائم على المعرفة، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وإعداد كوادر قادرة على مواكبة المتغيرات، بما ينسجم مع توجهات دولة الإمارات نحو بناء مجتمع أكثر استدامة وابتكاراً.
وأكدت رئيسة معهد جامعة السوربون أبوظبي للابتكار والبحث العلمي الأستاذة المشاركة في جامعة السوربون أبوظبي، الدكتورة كليو شافينو، أنه يمكن للجامعات تعزيز حضورها المجتمعي من خلال تبني نهج منفتح يقوم على سهولة الوصول والتفاعل مع المجتمع، بما يتجاوز حدود البرامج الأكاديمية التقليدية.
وقالت: «في ظل اقتصاد سريع التغير، أصبحت مواصلة التعليم ضرورة ملحّة، ويقع على عاتق الجامعات توفير فرص تعلم مرنة تلبي احتياجات مختلف فئات المجتمع، مثل برامج الماجستير المسائية وعطلات نهاية الأسبوع، إلى جانب أنماط التعليم الإلكتروني والهجين التي تتيح للمهنيين تطوير مهاراتهم على مدار حياتهم المهنية».
وأضافت: «يُعد الانخراط المجتمعي عنصراً أساسياً في هذا الدور، ففتح المؤتمرات والمحاضرات والفعاليات البحثية أمام الجمهور العام يتيح للجامعات مشاركة المعرفة، وتعزيز الحوار الفكري، والمساهمة في الحياة الثقافية والعلمية للمجتمع».
وشرحت أن الانفتاح على المجتمع في التقاليد الأكاديمية الفرنسية، يُعد مبدأ راسخاً، وتنسجم جامعة السوربون أبوظبي بشكل كامل مع هذا النهج. ويتجلى ذلك في مبادرات مثل برنامج (Auditeur Libre)، الذي يتيح لأفراد المجتمع حضور بعض المقررات مقابل رسوم رمزية، إلى جانب إتاحة جميع الفعاليات العلمية والأكاديمية للجمهور، بما يعزز دور الجامعة كمحرك للتنمية الفكرية والثقافية.
من جانبه، سلط مدير جامعة أبوظبي، البروفيسور غسان عواد، الضوء على أهمية المشاريع الجامعية المجتمعية في ترسيخ ثقافة العطاء وتحقيق تأثير مستدام داخل دولة الإمارات وخارجها، مشيراً إلى حرص جامعة أبوظبي على الاستثمار في تنمية قادة المستقبل، وتوسيع فرص التعليم، عبر إطلاق برامج المسؤولية الاجتماعية، بما في ذلك المنح الدراسية ومشاريع الخدمة المجتمعية، التي تسهم في إثراء القطاع التعليمي في دولة الإمارات وتعزيز اقتصاد الدولة القائم على المعرفة، وتسلط الضوء على الدور الحيوي للتعليم العالي في تعزيز التنمية الاجتماعية.
وأشار إلى أهمية الفنون والتعليم والعلوم الاجتماعية في بناء مجتمعات متماسكة وقادرة على التكيّف في وجه التحديات، والمساهمة في بناء مستقبل مشترك أكثر استدامة وتوازناً للأجيال القادمة.
وبدورها، أكدت نائب مدير شؤون المشاركة وتجربة الطلبة مؤسِّسة ورئيسة مركز ميدلسكس للابتكار رئيسة قسم هندسة الكمبيوتر والمعلوماتية، البروفيسورة فهميدة حسين، امتلاك الجامعات مكانة محورية في مجتمعاتنا، تأتي مع العديد من الالتزامات، بما فيها تعزيز التواصل عبر البحث التطبيقي، والتواصل مع المدارس، وتوفير المحاضرات العامة، بما يسهم في التعامل مع التحديات المحلية وترك الأثر المطلوب.
وقالت: «نعمل على تعزيز أوجه التعاون بين مركز الابتكار ومنصات البحث في جامعة ميدلسكس دبي والشركات الناشئة والمدارس وشركائنا في المجتمع لتقديم حلول عملية وتعزيز ثقافة ريادة الأعمال، وهو ما يتماشى بشكل وثيق مع الأولويات الوطنية مثل أجندة دبي الاقتصادية D33 ورؤية 50 فرصة عالمية في دبي».
أما دكتورة القيادة التربوية في جامعة أميتي دبي، ميغري نظاريان، فشددت على أن الجامعة لم تعد مؤسسة تعليمية يقتصر دورها على التدريس والبحث العلمي، بل أصبحت شريكاً أساسياً في التنمية المجتمعية وصناعة الحلول للتحديات المحلية.
وقالت: «يُقاس نجاح الجامعات الحديثة بمدى تأثيرها الإيجابي في المجتمع المحيط بها وقدرتها على بناء جسور مستدامة مع مختلف فئاته. ويمكن ترسيخ الحضور العام للجامعات من خلال الانتقال من مفهوم (الجامعة المنعزلة) إلى مفهوم (الجامعة المنخرطة مجتمعياً) وهذا يتحقق عبر تنظيم حملات توعية في مجالات الصحة النفسية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والاستدامة البيئية، إضافة إلى إشراك الطلبة في مشاريع خدمة مجتمعية مرتبطة بتخصصاتهم الأكاديمية».
وأكدت أن إشراك الطلبة في المبادرات المجتمعية هدف من أهداف الدكتور الجامعي، وأن المبادرات الفعّالة أصبحت جزءاً لا يتجزّأ من المادة التدريسية.
وأوضحت: «يمكن لطلبة الهندسة تطوير حلول تقنية تخدم أصحاب الهمم، بينما يمكن لطلبة التربية تنفيذ برامج دعم أكاديمي للطلبة في المدارس، كما تستطيع الجامعات تنظيم (مختبرات مجتمعية) تجمع الأكاديميين والقطاع الحكومي والقطاع الخاص لمناقشة التحديات المحلية واقتراح حلول عملية لها»، مؤكدة أن هذه المبادرات لا تعزز صورة الجامعة فقط، بل تسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وتماسكاً وابتكاراً، وتخلق شعوراً بأن الجامعة جزء من النسيج المجتمعي وليست مؤسسة منفصلة عنه.

