حذّر أطباء من الانسياق وراء إعلانات تروج لعلاجات جمالية سحرية عبر المنصات الرقمية، موضحين أن الفلاتر الرقمية، والصور المعدلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهما في تكريس صورة غير حقيقية للجمال، ورفعا سقف التوقعات لدى بعض الأشخاص، وزادا من عدم تقبل الاختلافات الطبيعية في الوجه والجسم.
كما حذروا من تنامي توجه بعض أطباء الجلدية، خصوصاً حديثي التخرج، نحو الإجراءات التجميلية، على حساب تشخيص الأمراض الجلدية وعلاجها، في وقت تتزايد فيه الضغوط الاجتماعية والنفسية المرتبطة بالمظهر.
وقالوا لـ«الإمارات اليوم» إن لتوجّه بعض الأطباء نحو التجميل أسباباً عدة، أبرزها المردود المادي السريع، وتزايد الطلب على الخدمات التجميلية، وتطور الإجراءات طفيفة التوغل، وسهولة إجرائها، وقصر فترات التعافي في كثير من الحالات.
وشددوا على أن مواجهة هذا التحول مسؤولية مشتركة بين المرضى والأطباء وسوق التجميل، تتطلب تقديم صحة البشرة وسلامة المرضى على الاعتبارات التجارية، واختيار الطبيب بناءً على مؤهلاته العلمية وخبرته، لا عدد متابعيه أو حضوره الإعلاني.
وتفصيلاً، أكد استشاري الأمراض الجلدية، الدكتور أنور الحمادي، أن الهوس المتزايد بالتجميل خلال السنوات الأخيرة أثر سلباً في جوهر تخصص طب الجلدية، في ظل توجه عدد من الأطباء، خصوصاً حديثي التخرج، نحو حقن البوتوكس والفيلر والإجراءات التجميلية التي تحقق عائداً سريعاً، على حساب علاج الأمراض الجلدية التي يحتاج إليها المرضى فعلياً، مشدداً على ضرورة الحفاظ على التوازن بين الجانب التجميلي والطب الجلدي العلاجي.
وقال إن الطبيب الذي أمضى سنوات طويلة في دراسة الطب والتخصص لا ينبغي أن يحصر طموحه المهني في الإجراءات التجميلية السريعة، لافتاً إلى أن طب الجلدية تخصص واسع، يرتبط بصحة الإنسان الجسدية والنفسية، ويتقاطع مع تخصصات طبية عدة، منها الباطنية والمفاصل والطب النفسي والجراحة، ويشهد تطورات علمية وعلاجية متسارعة تستدعي مواصلة التعلم والتعمق في تشخيص الأمراض وعلاجها، مضيفاً: «نريد طب الجلدية الحقيقي الذي يحتاج إليه المرضى، فإذا اتجه الجميع إلى التجميل، فمن سيعالج الأمراض الجلدية؟ لا مانع من ممارسة التجميل، لكن بشرط ألا يكون ذلك على حساب جوهر التخصص ورسالته الطبية والإنسانية».
وأوضح أن الجلد ليس مجرد غطاء خارجي للجسم، بل قد يكون مرآة تعكس مؤشرات عن الحالة الصحية للإنسان، إذ يمكن أن تكشف بعض التغيرات في الجلد والأظافر عن مشكلات صحية داخلية، مثل نقص الحديد أو بعض أمراض الكبد والكلى.
وأشار إلى أن مراجعة عيادة الجلدية لا ترتبط دوماً بالمشكلة العضوية وحدها، إذ «قد يأتي المريض محملاً بالقلق والخوف وفقدان الثقة بالنفس نتيجة تغير بسيط في مظهره»، محذراً من الآثار النفسية للتنمر، والتعليقات القاسية المتعلقة بالمظهر، حتى عندما تصدر عن الأقارب أو المقربين على سبيل المزاح، إذ قد تدفع إلى اللجوء لممارسات غير آمنة، مثل استخدام خلطات مجهولة أو وصلات الشعر أو منتجات غير مناسبة، مشدداً على أن دور طبيب الجلدية لا يقتصر على تحسين المظهر الخارجي، بل يتطلب أحياناً مساعدة المريض على استعادة ثقته بنفسه، حيث يحتاج طبيب الجلدية أحياناً للعب دور المعالج النفسي لخلق تناغم بين المظهر الخارجي والشعور الداخلي للمريض، بعيداً عن محاولة تحويله إلى نسخة مكررة من شخص آخر أو إخضاعه لمعايير جمال غير واقعية.
وأضاف أن انتشار الفلاتر الرقمية والصور المعدلة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في تكريس صورة غير حقيقية للجمال، ورفع سقف التوقعات لدى بعض الأشخاص، وزاد من عدم تقبل الاختلافات الطبيعية في الوجه والجسم، مؤكداً أن الجمال لا يعني الوصول إلى الكمال، بل يقوم على التناغم بين المظهر الخارجي والثقة بالنفس والفكر والروح.
وشدد على عدم الانسياق وراء الإعلانات التي تروج لعلاجات سحرية أو نتائج مضمونة للشعر والبشرة، خصوصاً «توحيد لون البشرة».
وقال: «لا شيء اسمه توحيد لون البشرة للشخص الطبيعي، فالتباين والاسمرار أمر طبيعي وجيني»، كما حذّر من الإفراط في التدقيق في تفاصيل الوجه أمام المرآة أو تحت الإضاءة المكبرة، إذ قد ينشغل بعض الأشخاص بتفاصيل طفيفة أو متخيلة إلى حد يؤثر في نظرتهم إلى أنفسهم وحياتهم اليومية، ما يستدعي تقييماً متخصصاً عندما يتحول هذا الانشغال إلى مصدر مستمر للضيق.
وأكد أن ارتفاع سعر العلاج أو حداثته لا يعني بالضرورة أنه الخيار الأفضل لكل مريض، مشيراً إلى أن اختيار الدواء أو الإجراء الطبي يجب أن يستند إلى التشخيص الصحيح والأدلة العلمية واحتياجات الحالة، وليس إلى الدعاية التجارية، كما دعا إلى اختيار الطبيب بناءً على مؤهلاته العلمية وخبرته وممارسته المهنية، لا على عدد متابعيه في منصات التواصل الاجتماعي أو حجم حضوره الإعلاني.
وأكد أن العناية بالمظهر أمر مشروع، لكن ينبغي ألا تتحول إلى مصدر للضغط النفسي أو سبب لرفض الذات، داعياً كل شخص إلى تقبل ملامحه والاهتمام بصحته وثقته بنفسه قبل السعي وراء تغييرات شكلية متكررة.
بدورها، أكدت استشارية الأمراض الجلدية، الدكتورة مروة البدوي، أن التحولات الاجتماعية خلال السنوات الأخيرة أسهمت في تغيير نظرة كثير من الأشخاص إلى الشيخوخة والمظهر الخارجي، في ظل ضغوط متزايدة للظهور بمظهر شاب ومثالي، تغذيها الصور المعدلة والفلاتر على منصات التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن الرغبة في تحسين المظهر قد ترتبط لدى بعض المرضى بالثقة بالنفس والشعور بالرضا عن الذات، وهو ما يستدعي من الطبيب فهم الدوافع الحقيقية وراء طلب الإجراء التجميلي، وعدم الاكتفاء بتقييم الجانب الشكلي.
وأوضحت أن تطور الإجراءات التجميلية طفيفة التوغل، مثل الحقن والعلاجات بالليزر، جعلها أكثر سهولة وانتشاراً، مع تقليل فترات التعافي في كثير من الحالات، الأمر الذي أسهم في زيادة الإقبال عليها من المرضى، وجعلها مجالاً جاذباً للأطباء الممارسين.
وأضافت أن طب الجلدية شهد تحولاً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين، مع تنامي الطلب على الإجراءات التجميلية والوقائية، بالتوازي مع استمرار الحاجة إلى علاج الأمراض الجلدية الأساسية، مثل حب الشباب والأكزيما والصدفية وسرطانات الجلد، مؤكدة أن تطور الجانب التجميلي ينبغي ألا يؤدي إلى تراجع الاهتمام بالجانب العلاجي الذي يشكل ركيزة أساسية للتخصص.
وأكدت أن على الطبيب المسؤول وضع توقعات واقعية والاستعداد لقول «لا» عندما يكون الهدف المنشود من المراجعين غير قابل للتحقيق، أو غير آمن، وما إذا كانت الرغبة نابعة من احتياج واقعي أم من ضغوط اجتماعية أو عدم رضا مفرط عن المظهر.
وشددت على أن من مسؤولية الطبيب توعية المرضى بالتغيرات الطبيعية التي ترافق التقدم في العمر، وشرح ما يمكن تحقيقه طبياً بصورة واقعية، بعيداً عن الوعود المبالغ فيها أو التسويق لنتائج مثالية، مؤكدة أن القرار الطبي الأخلاقي يجب أن يضع سلامة المريض الجسدية والنفسية فوق الاعتبارات التجارية والمردود المالي.
وفيما يتعلق بمستقبل التخصص، حذرت من أن توجه أعداد كبيرة من أطباء الجلدية نحو الإجراءات التجميلية وحدها قد يؤثر في توافر الكفاءات اللازمة للتعامل مع الأمراض الجلدية المعقدة، فضلاً عن المشاركة في الأبحاث السريرية وتطوير العلاجات، مؤكدة أن التجميل جزء من طب الجلدية، لكنه لا ينبغي أن يطغى على بقية مجالاته، أو يحول التخصص إلى ممارسة تجارية منفصلة عن رسالته العلاجية والإنسانية.
وأكدت استشارية الأمراض الجلدية، الدكتورة رنا أبوطراب، أن التغيير الحقيقي في واقع طب الجلدية يتطلب تكامل ثلاثة عناصر أساسية، تتمثل في تعزيز الوعي الصحي لدى المرضى، والتزام الأطباء بالمعايير المهنية، ودعم سوق التجميل للممارسات الآمنة والمسؤولة، مشددة على أن الوعي الصحي يأتي في مقدمة الأولويات.
وأوضحت أن المريض الواعي لا يقتصر اهتمامه على الحصول على بشرة أجمل، بل يسعى إلى فهم صحة جلده وأسباب المشكلات التي يعاني منها، واختيار العلاج المناسب بناءً على تشخيص طبي دقيق، بعيداً عن الانسياق وراء الإعلانات والوعود التجميلية المبالغ فيها، مضيفة أن الطبيب يتحمل مسؤولية الالتزام بأخلاقيات المهنة وتقديم العلاج الذي يحتاج إليه المريض فعلياً، فيما تقع على سوق التجميل مسؤولية تعزيز الممارسات الآمنة التي تضع صحة المرضى وسلامتهم في المقام الأول.
وشددت أبوطراب على أن نجاح طب الجلدية لا يُقاس بعدد الإجراءات التجميلية التي يجريها الطبيب، بل بقدرته على تشخيص الأمراض الجلدية وعلاجها، وتقديم رعاية تسهم في تحسين صحة المرضى وجودة حياتهم، مؤكدة أهمية إعادة التركيز على الرسالة العلاجية والإنسانية للتخصص، بالتوازي مع التطور في مجال التجميل.
طب الجلدية والعناية بالبشرة
أكدت خبيرة التجميل، رجاء أطلس، أن تحقيق التوازن بين طب الجلدية والعناية التجميلية بالبشرة يتطلب تعاوناً واضحاً بين طبيب الجلدية وأخصائي العناية بالبشرة، بحيث يؤدي كل منهما دوره ضمن حدود اختصاصه، إذ يتولى الطبيب تشخيص الأمراض الجلدية وعلاجها، فيما تسهم العناية التجميلية المناسبة في تحسين مظهر البشرة والمحافظة على نتائج العلاج، مشددة على أن الإجراءات التجميلية لا يمكن أن تكون بديلاً عن العلاج الطبي عند وجود مشكلة جلدية تستدعي التدخل المتخصص.
وأوضحت أن تعزيز الوعي الصحي لدى المراجعين يمثل نقطة البداية لتصحيح المفاهيم المرتبطة بالجمال والعناية بالبشرة، مؤكدة أن البشرة الجميلة تبدأ ببشرة صحية، وأن فهم احتياجاتها يساعد على اختيار المنتجات والإجراءات المناسبة، وتجنب الانجراف وراء الصيحات التجميلية أو الخضوع لإجراءات غير ضرورية، مضيفة أن المسؤولية مشتركة بين المريض والأطباء، الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تقديم نصائح واقعية وآمنة، وتوعية المراجعين بأهمية إعطاء الأولوية لصحة البشرة قبل السعي إلى تحسين مظهرها.
• الجلد مرآة تعكس مؤشرات عن الحالة الصحية للإنسان، وليس مجرد غطاء خارجي للجسم.
• التعليقات القاسية المتعلقة بالمظهر قد تدفع إلى اللجوء لممارسات غير آمنة، حتى عندما تصدر عن مقربين.

