تستحضر دولة الإمارات العربية المتحدة حكاية وطن استثنائي، سطّرها الوالد المؤسِّس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، الذي حوّل الصحراء إلى دولة عصرية منافسة عالمياً، وأرسى قواعد اتحاد متماسك، وبنى إنساناً قادراً على صنع المستقبل، لتصبح دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً عالمياً ملهماً في البناء والعطاء، كما جعل الاستثمار في الإنسان أولوية وطنية، حيث كان الوالد المؤسس يؤكد باستمرار أن الإنسان هو الثروة الحقيقية للوطن.
في السادس من أغسطس الجاري حلّت الذكرى الـ60 لتولي المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، مقاليد الحكم في إمارة أبوظبي عام 1966، الذي لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل كان بمثابة حجر الأساس الذي انطلقت منه الرؤية الوحدوية الشاملة، ووضعت فيه اللبنات الأولى لتأسيس دولة الاتحاد وبناء نهضتها الشاملة التي تتبوأ اليوم الصدارة عالمياً، حيث أسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لبنة الاتحاد في عام 1971، جامعاً القلوب والجهود على هدف واحد، هو رفعة وعزّة الوطن، كما رسّخ، طيب الله ثراه، نهج الخير والعطاء الذي باتت به الإمارات رمزاً عالمياً للمساعدات الإنسانية والتسامح، وقد تحولت رؤى الوالد المؤسس إلى مشروعات وطنية كبرى تنافس عالمياً في شتى المجالات والعلوم.
وُلد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في عام 1918، وكان الابن الأصغر للشيخ سلطان بن زايد بن خليفة آل نهيان (حاكم أبوظبي 1922-1926)، حيث نشأ الراحل الكبير في بيئة بدوية أصيلة تركت بصماتها العميقة في فكره وسلوكه، واستمد من حياة البادية ومن المجالس العربية منظومة راسخة من القِيَم والأخلاقيات والعادات والتقاليد، كالكرم والشجاعة والحكمة، وهي الصفات التي رافقته طوال مسيرته القيادية التي بدأت عندما شغل مهام ممثل حاكم أبوظبي في مدينة العين بين عامَي 1946 و1966، وخلال تلك الفترة تجلت عبقريته الإدارية، وحرصه الشديد على توفير الحياة الكريمة للمواطنين.
وشهدت إمارة أبوظبي، بعد سنوات قليلة من تولي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم فيها، تحولات جذرية في زمن قياسي، حيث تم تنفيذ مئات المشروعات في البناء والتشييد والتحديث والتطوير والخدمات، والتي شملت إقامة المساكن والتجمعات السكنية الحديثة، وبناء المستشفيات والعيادات والمدارس، والجامعات والمعاهد والكليات، والهياكل الأساسية للبنية التحتية من طرق وجسور وكهرباء ومياه وخدمات الاتصال والمواصلات، وغيرها من مرافق الخدمات الأساسية من أجل بناء دولة عصرية، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للمواطنين.
ولم تكن فكرة الاتحاد عند المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وليدة المصادفة، بل عقيدة راسخة بأن الوحدة هي السبيل الوحيد لبناء وطن واحد قوي وقادر على النمو، وتمثّلت هذه الرؤية في محطات تاريخية رئيسة، بدأت بتوقيع اتفاقية عام 1968 بين المغفور لهما الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حاكم أبوظبي، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي، كأول اتفاقية اتحاد شكلت النواة الحقيقية للاتحاد، وصولاً إلى الأول من ديسمبر عام 1971 ليتم في اليوم التالي، الثاني من ديسمبر، الإعلان رسمياً عن قيام دولة الإمارات العربية المتحدة وانتخاب المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً للدولة.
وانطلاقاً من هذا الإنجاز التاريخي، انضمت دولة الإمارات العربية المتحدة، في عام تأسيسها نفسه، إلى جامعة الدول العربية، ومنظمة الأمم المتحدة، لتُعزّز مكانتها الدولية.
وانطلاقاً من إيمانه الراسخ بالتعاون الإقليمي، فقد أسهم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي وقّعت ميثاقه دول الخليج الست في قمتها الأولى بأبوظبي عام 1981.
ومنذ اللحظة الأولى لتأسيس الدولة، بدأت عجلة العمل بواحدة من أضخم عمليات التنمية التي شهدتها المنطقة، فقد أعلن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ الأيام الأولى لتوليه مقاليد الحكم، عن تسخير الثروات من أجل تقدم الوطن، ورفع مستوى المواطنين، قائلاً: «إننا سخرنا كل ما نملك من ثروة وبترول من أجل رفع مستوى كل فرد من أبناء شعب دولة الإمارات العربية المتحدة، إيماناً منا بأن هذا الشعب صاحب الحق في ثروته، وأنه يجب أن يعوّض ما فاته ليلحق بركب الحضارة والتقدم».
وبالتوازي مع جهوده الداخلية الاستثنائية في بناء المجتمع وتطويره، التي تجلت في تمكينه البالغ للمرأة الإماراتية، ودعم دورها في مسيرة البناء، وتوج ذلك بتعيين أول وزيرة في تاريخ الدولة، لتظل هذه المسيرة التاريخية التي انطلقت قبل 60 عاماً نبراساً يضيء حاضر ومستقبل دولة الإمارات، تميّز حكم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بالجهود الجبّارة التي بذلها في سبيل بناء الدولة، وترسيخ مكانتها على الصعيد العالمي، فحصد العديد من الجوائز والأوسمة، تقديراً لدوره الاستثنائي في دولة الإمارات كما في جميع أنحاء العالم، ومنها وشاح رجل العام للبيئة والإنماء المستدام (1993)، وشهادة الباندا الدولية الذهبية (1997).
وفي الثاني من نوفمبر 2004، الموافق 19 رمضان 1425هـ، توفي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عن عمر يناهز 86 عاماً، لتبقى ذكراه محفورة في قلب الوطن ووجدان أبناء شعبه، ومتأصلة في نهج قيادة دولة الإمارات، وراسخة في كل زاوية من زوايا العالم، شاهدة على إرث استثنائي لقائد عظيم.






