تضم شرطة دبي جنوداً مجهولين يخوضون معركة المخدرات بأساليب غير تقليدية، بالتوازي مع رجال الإدارة العامة لمكافحة المخدرات، وهم أعضاء فريق «مرصد المخدرات» في الإدارة العامة للأدلة الجنائية، الذين تمكّنوا من رصد أكثر من 95 مادة مخدرة ومستقلباتها ورفعها للإدراج في القانون، فيما يواصلون البحث عن مواد جديدة قد تظهر مستقبلاً، في سباق لا يتوقف مع مصنّعي المخدرات الذين يغيرون تركيبات المواد بصورة مستمرة للتحايل على القوائم القانونية.
ويمتد عمل المرصد إلى ملاحقة أساليب الإخفاء والتعاطي المستحدثة، من سوائل أجهزة التدخين الإلكتروني والأوراق التي ترش أو تذاب فيها المواد المخدرة، مروراً بقطرة العين التي يستخدمها بعض المروجين والمتعاطين.
وقالت مدير مركز مرصد المخدرات، الدكتورة ابتسام العبدولي، إن المعركة مع مصنّعي المخدرات تقوم على سباق مستمر، إذ كلما أُدرجت مادة مخدرة ضمن القوائم القانونية، يعمد المصنّعون إلى تغيير تركيبها الكيميائي وإنتاج مادة جديدة للتحايل على القانون، مشيرة إلى أن خبراء المرصد يحاولون النظر إلى الأمر من الجهة المقابلة، فيضعون أنفسهم مكان المصنع أو التاجر، ويدرسون التركيبات التي يمكن أن تنتج مستقبلاً، لاستباق ظهورها ورصدها قبل أن تتحول إلى مخدر متداول.
وتفصيلاً، ذكرت الدكتورة ابتسام العبدولي لـ«الإمارات اليوم» أن فكرة إنشاء المرصد جاءت امتداداً لتجربة طويلة في العمل الجنائي والسموم، لكنها انطلقت أساساً من رغبة في تجاوز الدور التقليدي للمختبرات الجنائية، الذي يتركز في فحص العينات وإعداد التقارير وإرسالها إلى النيابة العامة والمحاكم، إلى دور استباقي واستشرافي يحاول معرفة المخدرات التي يمكن أن تدخل الدولة قبل انتشارها.
وأضافت أن الخبرة التي تراكمت لديها ولدى فريق العمل، وما كان يصل إلى أقسام السموم والكيمياء من قضايا وفحوص، كشفا الحاجة إلى إنشاء جهة تتعامل مع المخدرات باعتبارها ظاهرة متغيرة وليس مجرد عينات تضبط في قضية، موضحة أن اختلاف أنواع المخدرات التي تظهر بين الجاليات والثقافات المختلفة كان أحد العوامل التي دفعت إلى التفكير في إنشاء المرصد، إذ إن نوعاً من المخدرات قد يكون شائعاً لدى جالية معينة، بينما تظهر أنواع مختلفة لدى جاليات أخرى.
وتابعت أن المرصد، الذي أُنشئ في أغسطس 2023، وبدأ العمل وفق أولوياته ومتطلباته بصورة فعلية منذ 2025، تجاوز الطموحات التي وضعت عند تأسيسه، وأصبح يقدم دعماً علمياً لصانعي القرار والاستراتيجيات الخاصة بمكافحة المخدرات، كما أصبحت نتائجه ومعلوماته متاحة لجهات عدة، من بينها وزارة الصحة وبلدية دبي وجمارك دبي والمختبرات الجنائية وإدارات مكافحة المخدرات على مستوى الدولة.
95 مادة جديدة
ولفتت إلى أن المركز تمكّن خلال أقل من عام من اكتشاف أكثر من 95 مادة مخدرة ومستقلباتها وإدراجها ضمن القوائم القانونية، مؤكدة أن العملية لا تتوقف، لأن اكتشاف مادة جديدة وإدراجها قانونياً لا يعني انتهاء المواجهة.
وأكدت أن مصنّعي المخدرات يتعاملون مع القوانين باعتبارها سباقاً يجب التحايل عليه؛ فكلما أُدرجت مادة ضمن القوائم المحظورة، يعمدون إلى تغيير تركيبها الكيميائي وإنتاج مركب جديد، بحيث يصبح المنتج الجديد مختلفاً عن المادة المدرجة قانوناً، ومن ثم يحاولون تقديمه باعتباره مادة غير مجرّمة، مشيرة إلى أن خبراء المرصد يحاولون مواجهة هذا الأسلوب بالطريقة نفسها، ولكن من الجهة المقابلة.
وشرحت أن الخبراء يضعون أنفسهم مكان المصنع أو التاجر، ويحاولون التفكير في التركيبات التي يمكن أن يتم إنتاجها مستقبلاً، ولا يكتفون بانتظار ظهور المادة في قضية، وإنما يدرسون المواد الخام والمركبات والتغيرات التي تطرأ على التركيبات، ويقارنونها بما يظهر في القضايا وبالتقارير العلمية العالمية.
وأوضحت أن المرصد عمل على ستة أنواع جديدة من المواد اكتشفتها أخيراً، في وقت سبق أن تم خلاله رفع سلسلة من المواد الجديدة وإدراجها بالفعل في القانون، وهو ما يعكس سرعة استحداث هذه المواد وتغيرها.
وقالت العبدولي إن العمل الاستباقي لا يقتصر على متابعة ما ظهر بالفعل، إذ بدأت فرق المرصد في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال، بهدف توقع أنواع جديدة من المخدرات انطلاقاً من المركبات الخام.
وأضافت أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يقدم للخبراء احتمالات لمنتجات أو تركيبات يمكن أن تنتج من مركبات معينة، ثم يبدأ الفريق في مطابقة هذه التوقعات مع المواد التي تظهر فعلياً في القضايا، ليتحقق مما إذا كانت التركيبات المتوقعة قد ظهرت بالفعل أم لا.
من المادة إلى المكان
وكشفت العبدولي أن دور المرصد لا يتوقف عند تحديد نوع المخدر، وإنما يمتد إلى معرفة أماكن وجوده ومؤشرات انتشاره، من خلال الربط بين نوع المادة التي تظهر في القضايا، وتركيزها، وأماكن تمركز الأشخاص، والمواد الكيميائية التي قد تستخدم في تصنيعها.
وأوضحت أن اختلاف الجنسيات الموجودة في الدولة أسهم كذلك في ظهور أنماط متعددة من المخدرات، إذ بدأت بعض الأنواع التي كانت معروفة في مناطق أو دول أخرى تظهر في الإمارات مع تغير أنماط الوجود السكاني، وهو ما جعل المرصد يراقب هذه التحولات ويقدم معلومات علمية إلى الإدارة العامة لمكافحة المخدرات.
وأشارت إلى أن المرصد أصبح قادراً، من خلال مجموعة من المؤشرات والتحاليل، على مساعدة فرق المكافحة في تحديد أماكن تركز المخدرات أو تعاطيها، بحيث تصل المعلومة العلمية إلى رجال المكافحة، بينما يبقى التعامل الميداني وضبط الأشخاص من اختصاص الجهات المعنية بالمكافحة.
وأوضحت أن المؤشرات لا تقتصر على المخدر نفسه، إذ يمكن أن تكشف المتابعة وجود سلائف كيميائية بكميات غير معتادة في مكان معين، بما يستدعي البحث في احتمال ارتباطها بنشاط غير معتاد.
وأكدت – وفق الحالات التي تعامل معها المرصد – عدم وجود تصنيع داخلي للمخدرات، وأن المواد التي ظهرت في القضايا كانت تأتي من الخارج.
المخدرات الاصطناعية
وأكد خبير أول سموم، المهندس فيصل محمد الطنيجي، أن دخول المخدر إلى جسم الإنسان لا يعني بقاء المادة بالصورة نفسها التي دخلت بها، إذ يتعامل الجسم معها باعتبارها مادة غريبة، فيعمل على تكسيرها وتحويلها إلى مركبات أخرى، قبل التخلص منها أو تقليل تأثيرها، وتعرف هذه المركبات باسم «المستقلبات».
وأضاف لـ«الإمارات اليوم» أن عمل فريق مرصد لا يتوقف عند التعرف إلى المادة المخدرة في صورتها الأصلية، وإنما يبحث كذلك عما تتحول إليه داخل الجسم، موضحاً أن الخبراء يأخذون المادة المخدرة النقية ويجرون عليها تجارب مخبرية باستخدام كروموسومات الكبد، بهدف معرفة المركبات التي تنتج عنها بعد دخولها الجسم.
وشرح أن هذه التقنية تمثل مستوى متقدماً من العمل، ولا تتوافر عادة في المختبرات الجنائية التقليدية، وإنما تقترب في طبيعتها من أساليب العمل المستخدمة في المختبرات البحثية، وهو ما يمنح المرصد قدرة إضافية على التعامل مع المواد المخدرة الجديدة التي لم يسبق التعرف إليها.
وأشار إلى أن أهمية هذه المنهجية تظهر بصورة أكبر مع المخدرات الاصطناعية الجديدة، ومنها مركبات القنبيات المصنعة (تشبه الحشيش أو الماريجوانا)، إذ قد تصل إلى المختبر مادة لم يسبق للخبراء التعامل معها، ولا يكون واضحاً في البداية ما طبيعتها أو تأثيرها.
وأوضح أن الجهاز التقليدي قد يعطي في البداية نمطاً أو شكلاً للمادة، لكنه لا يعني بالضرورة أن الخبير أصبح يعرف طبيعتها، وهنا تأتي أهمية التقنيات المتقدمة التي يستخدمها الفريق للتعرف إلى المركب وتحديد ماهيته، ثم تأكيد وجوده بصورة علمية.
المخدرات الجديدة
وتابع أن الهدف لا يتمثل فقط في معرفة المادة الموجودة في المضبوطات، وإنما التعرف إلى أنواع المخدرات الجديدة ومراقبة ظهورها وانتشارها قبل أن تتحول إلى ظاهرة أوسع، ثم إثبات استخدامها عندما تظهر لدى المتعاطين.
وضرب الطنيجي مثالاً بالهيروين، موضحاً أن المادة في صورتها الأصلية معروفة كيميائياً، لكن بعد دخولها جسم الإنسان لا تبقى بالتركيب نفسه، إذ تتحول إلى مواد أخرى يستدل من خلالها على تعاطي مخدر الهيروين، ولذلك يبحث مركز مرصد للمخدرات عن المستقلبات الناتجة عنها، لافتاً إلى أن العثور على هذه المستقلبات في العينة يمثل دليلاً على أن المادة دخلت الجسم، حتى لو لم يعد المخدر الأصلي موجوداً بالصورة التي كان عليها قبل التعاطي.
وشرح أن المواد الجديدة قد تصل إلى المختبر في صور مختلفة، ومنها مواد يتم رشها على الأوراق أو سوائل توضع في أجهزة التدخين الإلكتروني، وهنا تبدأ رحلة التحليل للتعرف إلى المادة الموجودة فيها.
وقال إن الفريق يستخدم طرقاً متقدمة لاستخلاص المادة من هذه المضبوطات، ثم يبحث عن البصمة الخاصة بالمخدر، وإذا ظهرت مادة غير معروفة يبدأ العمل على عزلها وإجراء تحليلات أكثر تقدماً للوصول إلى كتلتها الجزيئية الدقيقة وتحديد تركيبها الكيميائي بصورة دقيقة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يتواصل الفريق مع مختبرات متخصصة حول العالم لمعرفة ما إذا كانت المادة قد تم التعرف إليها من قبل، وفي حال تبين أن مختبراً في أوروبا أو الولايات المتحدة سبق إلى اكتشافها، يتم التنسيق العلمي للاستفادة من النتائج وتأكيد وجود المادة الجديدة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات المتعلقة بإدراجها ضمن جداول المواد المخدرة الخاضعة للقانون.
أساليب غير تقليدية
ذكرت الخبير أول سموم، هدى سليمان سعيد، أن أساليب إخفاء المخدرات وتعاطيها تغيرت أيضاً، فلم يعد التعامل دائماً مع مخدر في صورة بودرة أو قطع، وإنما ظهرت أشكال جديدة مثل سوائل أجهزة التدخين الإلكتروني «الفيب»، والأوراق التي ترش عليها المواد المخدرة أو تذاب فيها.
وقالت لـ«الإمارات اليوم» إن المرصد يعمل بالتعاون مع مؤسسات علمية بحثية على مشروعات علمية لدراسة الفرق بين تعاطي المادة الخام مباشرة وبين رشها على الورق أو إذابتها، وتأثير كل طريقة في الجسم، واختلاف تركيز المادة والكمية التي يمكن أن تصل إلى المستخدم.
وأكدت أن هذه الدراسات لا تتعامل مع شكل المخدر فقط، وإنما تحاول فهم آلية التعاطي وتأثيرها الصحي والتركيز الذي يصل إلى الجسم، بما يساعد على بناء معرفة علمية بالأنماط الجديدة التي تظهر في السوق.
• اختلاف أنواع المخدرات التي تظهر بين الجاليات كان أحد العوامل التي دفعت إلى التفكير في إنشاء المرصد.
الدكتورة ابتسام العبدولي:
• التقنيات الجديدة تحدد أماكن انتشار المخدرات ومواقع تمركز المتورطين في الترويج.

