طوّر باحثون في جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي أول معيار مرجعي لقياس قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على فهم الثقافة العربية والتفاعل معها، عبر 13 لهجة محلية، كاشفين عن فجوة لافتة بين قدرة النماذج على فهم ما يقوله العرب، وقدرتها على التحدث كما يتحدثون في حياتهم اليومية.
وعندما يطلب من أحد نماذج الذكاء الاصطناعي وصف حفل زفاف إماراتي، يستطيع غالباً تقديم تفاصيل دقيقة عن العادات والتقاليد والملابس، وصولاً إلى عبارات التهنئة المناسبة لمباركة أهل العروسين، لكن ما إن يُطلب منه صياغة العبارة بالطريقة التي يقولها أهل الإمارات في حياتهم اليومية، حتى تتراجع تلك الطلاقة والانسيابية والإلمام الثقافي الذي أظهره النموذج في البداية.
وكانت هذه المفارقة محور دراسة بحثية جديدة من جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، كشفت أن النماذج اللغوية الكبيرة قد تمتلك معرفة واسعة بالثقافة العربية، ويرى الباحثان الرئيسان في الدراسة، الأستاذ المساعد في قسم معالجة اللغة الطبيعية، البروفيسور فجري كوتو، والباحث في القسم ذاته، محمد ديهان، أن سد هذه الفجوة يمهد للمرحلة المقبلة من تطور الذكاء الاصطناعي الناطق بـ«العربية»، بحيث لا يكتفي بفهم اللغة، وإنما يستوعب أيضاً خصوصيات استخدامها في المجتمعات العربية المختلفة.
وقال محمد ديهان إن اللغة العربية توحّد أكثر من 400 مليون متحدث حول العالم، إلا أن أحد أبرز التحديات في تطوير الذكاء الاصطناعي يتمثل في أن النماذج تدرب بصورة شبه حصرية على العربية الفصحى الحديثة، ولذلك قد تبدو طليقة وقادرة في الاختبارات، من دون أن تكون قد اختبرت بصورة كافية في محادثات طبيعية باللهجات المختلفة في الدول العربية، مع الالتزام بدقة تفاصيل الثقافية المحلية.
ولمعالجة هذه الثغرة، طوّر الباحثون معيار ArabCulture-Dialogue، الذي وصفوه بأنه أول معيار مرجعي لاختبار الاستدلال الثقافي باللغة العربية ضمن حوارات متعددة الجولات، بالعربية الفصحى الحديثة و13 لهجة محلية من دول عربية مختلفة.
واستعان الفريق بـ26 ناطقاً أصلياً بـ«العربية»، بواقع متحدثين اثنين من كل دولة من 13 دولة عربية، ممن أمضى كل واحد منهم 10 أعوام على الأقل في بلده.
وانطلق المشاركون من مواقف مستمدة من بيئاتهم الثقافية، ووسعوها إلى حوارات قصيرة متبادلة، ثم صاغ كل منهم الحوار بلهجته المحلية.
وغطت مجموعة الحوارات 12 موضوعاً من الحياة اليومية، بدءاً من حفلات الزفاف والطعام، وصولاً إلى تربية الأطفال والزراعة والفنون والألعاب.
وقال البروفيسور فجري كوتو إن الباحثين اختبروا النماذج من خلال ثلاث مهام رئيسة، شملت اختيار الرد الأنسب ثقافياً من بين خيارات عدة، والترجمة بين اللغة العربية الفصحى الحديثة ولهجة محددة في الاتجاهين، إلى جانب مواصلة الحوار باللهجة المطلوبة.
وأظهرت النتائج أن النماذج الأقوى تمتلك قدرة كبيرة على تمييز الرد المناسب ثقافياً، إذ سجلت نتائج قاربت 95% حتى عند انتقال الحوار من العربية الفصحى إلى اللهجة المحددة، غير أن أداءها انخفض بشكل حاد عندما انتقلت المهمة من فهم اللهجة إلى إنتاجها، سواء عند ترجمة جملة إلى اللهجة الإماراتية أو عند مواصلة حوار بها.
وتكشف هذه النتائج عن فجوة دقيقة في تطوير الذكاء الاصطناعي، فالمشكلة لا تكمن دائماً في فهم المعنى، وإنما في القدرة على الحفاظ على هوية اللهجة وخصوصيتها الثقافية.

