Login النشرة البريدية

أكد ذوو طلبة ومعلمو تربية خاصة ومعلمات ظل لـ«الإمارات اليوم» أن التعلم عن بُعد للطلبة أصحاب الهمم ليس مجرد وسيلة بديلة، بل نموذج تعليمي تشاركي تقوده المنصات الرقمية، وتتقاسم فيه الأسرة والمعلم ومعلمة الظل أدواراً يومية داخل الحصة الافتراضية، وخلف الشاشات، ومن هنا لم يعد الطالب وحده في مواجهة الدرس، بل أصبح جزءاً من منظومة دعم متكاملة تُعيد رسم ملامح التعليم، وتفتح آفاقاً أوسع لتجاوز حواجز الإعاقة.

وتفصيلاً، كشفت تجارب أمهات طلبة من أصحاب الهمم، حجم التحول في أدوارهن اليومية، حيث أصبحن جزءاً أساسياً من تفاصيل الحصة الدراسية.

وأكدت ولية الأمر، وضحة المطوع، وهي أم لطالب من فئة «متلازمة داون» وآخر من فئة صعوبات التعلم، أن التعلم عن بُعد لم يكن تجربة جديدة على أبنائها، إذ خاضوها خلال جائحة كورونا، ما سهّل تكيفهم معه لاحقاً.

وأوضحت أن دورها يقوم على تحقيق توازن بين الإشراف ومنح الأبناء مساحة للاعتماد على أنفسهم، حيث تهيئهم للحصص وشرح بعض الدروس عند الحاجة، من دون مرافقة دائمة، مع متابعة دورية تُتيح لهم التفاعل المباشر مع المعلمين وطرح الأسئلة بأنفسهم.

وتعتمد المطوع على التدريب والممارسة اليومية، إذ يدوّن الأبناء ملاحظاتهم ويتفاعلون شفهياً خلال الحصص، بينما تتولى مراجعة الدروس لاحقاً وتصحيح الأخطاء بأسلوب مبسط يُعزّز الفهم دون إلغاء دورهم في التعلم.

وأشارت إلى أن إدارة التعلم عن بُعد تتطلب توزيعاً واضحاً للأدوار، خصوصاً مع التزامات العمل، إذ تستعين أحياناً بمساعِدة منزلية للإشراف، إلى جانب متابعتها اليومية عبر الرسائل أو الاتصال عند الحاجة.

كما تحرص على إشراك الأبناء الكبار في دعم إخوتهم، من خلال متابعة الحصص أو التواصل مع المعلمين، ما يُعزّز روح المسؤولية والتعاون داخل الأسرة.

وترى المطوع أن التجربة، على الرغم من تحدياتها، أسهمت في غرس قيم الانضباط، وتحمل المسؤولية والصبر والمثابرة والتكيف مع الظروف، مؤكدة أنها فرصة حقيقية لتعزيز الاعتماد على النفس إذا ما تم التعامل معها بإيجابية.

وأكدت أن نجاح التجربة يتطلب تحقيق توازن بين الدعم والتوجيه دون مبالغة، مع إشعار الأبناء بالمسؤولية ومنحهم مساحة للمحاولة، مشددة على أن تكامل الأدوار داخل الأسرة عنصر حاسم، خصوصاً للطلبة أصحاب الهمم، في بيئة داعمة تُحفّزهم على التعلم بثقة.

وقالت (م.البلوشي)، الأم لطفل من فئة اضطراب «طيف التوحد»، إنها ترافق ابنها منذ بداية الحصة حتى نهايتها، معتمدة على وسائل بصرية، مثل الصور والبطاقات التوضيحية لتبسيط المفاهيم، إلى جانب إعادة شرح الدروس بعد انتهاء الحصة، ما ساعد على تحسين تركيزه وتقليل تشتته.

وفي تجربة أخرى، توضح أم طالبة من فئة صعوبات التعلم «فضّلت عدم ذكر اسمها»، أنها تتولى تقسيم الدروس إلى خطوات صغيرة، وتنظيم وقت المذاكرة، بما يتناسب مع قدرات ابنتها، مشيرة إلى أن دورها لا يقتصر على المتابعة، بل يشمل تبسيط المحتوى بأساليب متعددة تضمن الفهم التدريجي.

كما تشير (علياء.م)، الأم لطالب من ذوي الإعاقة الحركية، إلى أن دورها يمتد إلى الجوانب التقنية والنفسية، بدءاً من تجهيز الأجهزة وضمان استقرار الاتصال، وصولاً إلى تحفيز ابنها ودعمه للحفاظ على دافعيته خلال الحصص.

ومع انتقال جزء كبير من الدعم إلى المنزل، برز دور معلمات الظل بشكل لافت في بيئة التعلم عن بُعد، حيث أصبحن حلقة وصل مباشرة بين الطالب والمعلم، يُقدّمن دعماً يومياً يُسهم في استمرارية التعلم.

وتوضح معلمة الظل، سارة عبدالله، أنها تبدأ يومها بمتابعة جدول الحصص مع الطالب، ثم تعمل خلال الدرس على تبسيط التعليمات خطوة بخطوة، ومساعدته على متابعة تسلسل الشرح، مع تقديم دعم تدريجي يُعزّز تفاعله واستجابته داخل الحصة، بينما تؤكد معلمة الظل، كوثر سعيد ابرغيت، أن التحدي الأكبر يتمثل في الحفاظ على انتباه الطالب أمام الشاشة، ما يدفعها إلى استخدام استراتيجيات سلوكية متنوعة، مثل التعزيز الفوري، وتقسيم المهام، وتحفيز المشاركة المستمرة، لضمان بقاء الطالب منخرطاً في العملية التعليمية.

ولفتت إلى أن بعض معلمات الظل يبادرن، عند الحاجة، إلى تقديم دعم مباشر من خلال زيارة الطلبة، خصوصاً في الحالات التي تتطلب تدخلاً إضافياً، ما يعكس مرونة هذا الدور وحرصه على تلبية احتياجات الطلبة، وضمان استمرارية تعلمهم بكفاءة.

وأكدت معلمة التربية الخاصة، شريفة علي، أن التعلم عن بُعد شكّل في بدايته تحدياً كبيراً، خصوصاً للطلبة أصحاب الحالات المتوسطة والشديدة، في ظل تخوف أولياء الأمور من صعوبة تكيف أبنائهم، لاسيما مع طول فترات الجلوس أمام الشاشة.

وأوضحت أن التواصل المباشر مع الأمهات، إلى جانب تقديم الإرشاد التربوي لهن، شكّل عاملاً حاسماً في تجاوز هذه المخاوف، مشيرة إلى أن التجربة أثبتت نجاحها تدريجياً، مع تحقيق نتائج «إيجابية ومبشرة» واستمرار التطبيق، وأضافت أن المتابعة اليومية المباشرة مع الأمهات، سواء لرصد أداء الطلبة أو لمعالجة التحديات التقنية عبر قنوات متعددة، أسهمت في تسريع الاستجابة وتحسين جودة التعلم.

وأضافت أن التعامل مع التحديات استدعى تبني أساليب تعليمية مرنة، شملت حصصاً مباشرة يومية تُراعي الفروق الفردية، إلى جانب استخدام وسائل تفاعلية كالدمى والألعاب التعليمية، واعتماد أسلوب دافئ ومحفّز يجذب انتباه الطلبة، ويشجعهم على الاستمرار.

ولفتت إلى أن المحتوى التعليمي صُمم بشكل فردي لكل طالب وفق حالته ومستواه، مع التركيز على مهارات أساسية مثل اللغة العربية، عبر محادثات مباشرة، وجمل مبسطة، وشرح تدريجي للقواعد يُعزّز الاستيعاب والتطبيق.

وأشارت إلى أن التكنولوجيا لعبت دوراً محورياً في إنجاح التجربة، إذ لم تقتصر على تسهيل إيصال المعلومة، بل جعلت التعلم أكثر تفاعلاً ومتعة.

وأوضحت أنها اعتمدت على تنويع أساليب الشرح بين العرض المباشر، والفيديوهات التعليمية، وطرح الأسئلة، وفتح باب النقاش، ما عزّز تفاعل الطلبة، خصوصاً مع وجود دعم مباشر من الأمهات أثناء الحصص.

كما أسهمت الجلسات الجماعية في تعزيز التفاعل الاجتماعي وخلق أجواء إيجابية قائمة على المنافسة الهادئة، إلى جانب جلسات فردية تهدف إلى تأهيل الطلبة للتكيف مع الفصول الافتراضية ودمجهم تدريجياً.

وذكرت أن ضبط الحصة يتطلب آليات واضحة، مثل تحديد الأنشطة مسبقاً، وتقليل عدد الطلبة في بعض الجلسات، والتعاون مع الأمهات لضبط السلوك، مع استخدام أدوات مثل كتم الصوت أو تجاهل السلوك غير المرغوب عند الحاجة.

وأكد مستشار التربية الخاصة، الدكتور جمال مجاهد، أن تجربة التعلم عن بُعد للطلبة أصحاب الهمم، تطرح مجموعة من التحديات الميدانية، أبرزها تضاعف العبء اليومي على الأسرة، خصوصاً الأمهات، إلى جانب صعوبة الحفاظ على تركيز الطلبة خلال الحصص الافتراضية، فضلاً عن التباين الكبير في قدرات الطلبة واحتياجاتهم، وما يفرضه ذلك من صعوبات في تقديم محتوى موحد، إضافة إلى تحديات تقنية تتعلق بالأجهزة وجودة الاتصال، ومحدودية التفاعل الاجتماعي مقارنة بالتعليم الحضوري.

وأوضح أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبني حلول عملية ومرنة، في مقدمتها تصميم محتوى تعليمي مبسط يراعي الفروق الفردية، وتقسيم الحصص إلى أنشطة قصيرة ومتنوعة تحافظ على انتباه الطلبة.


فاعلية الأدوات الرقمية

أكد مختصون في التربية الخاصة أن البرامج الناطقة، والتطبيقات التفاعلية، وتقنيات التعرّف إلى الصوت أسهمت في تمكين الطلبة أصحاب الهمم من التعلم وفق قدراتهم وسرعتهم، كما عزّزت الفصول الافتراضية المدعومة بالوسائط المتعددة التفاعل، ونمو مهارات التركيز والتواصل، ولكن تبقى فاعلية هذه الأدوات مرهونة بحسن توظيفها، إذ قد تتحول إلى عبء إضافي إذا لم تُستخدم ضمن إطار تربوي واضح يُحدّد أدوار جميع الأطراف.

شاركها.
Exit mobile version