أطفال لم يتجاوز بعضهم السابعة من العمر، يحملون الهواتف الذكية، ويحوّلون مواقع التواصل الاجتماعي إلى منصات للدفاع عن البيئة ونشر الوعي المناخي، في مشهد يعكس ولادة جيل إماراتي جديد يقود الحراك البيئي من داخل العالم الرقمي.
ويصنع هؤلاء الأطفال محتوى رقمياً، يعتمد على الفيديوهات القصيرة والبث المباشر والرسوم التوضيحية والتحديات الرقمية، لتحويل قضايا المناخ والاستدامة إلى رسائل يومية.
وأكد مختصان في الإعلام أن المنصات الرقمية أصبحت لاعباً رئيساً في صناعة الوعي البيئي عالمياً، خصوصاً مع اعتماد جيل «زد» بصورة متزايدة على المحتوى البصري السريع لفهم القضايا الكبرى، وفي مقدمتها التغير المناخي والاستدامة.
وتشير تقارير إلى أن المحتوى المرتبط بالمناخ على منصات الفيديو القصير يحقق معدلات مشاهدة وتفاعل مرتفعة بين الشباب، لما يتميز به من سرعة وبساطة وقدرة على تبسيط الرسائل العلمية المعقدة.
وتفصيلاً، رصدت «الإمارات اليوم» تصاعد حضور الأطفال والشباب الإماراتيين في المحتوى البيئي الرقمي، بالتزامن مع تنامي المبادرات الوطنية المرتبطة بالاستدامة والعمل المناخي، وأظهرت المتابعة انتشار محتوى يتناول إعادة التدوير، وتقليل استهلاك البلاستيك، والحفاظ على الحياة البحرية، والطاقة النظيفة، وجودة الحياة، بأساليب بصرية حديثة تستهدف الأطفال والمراهقين بصورة مباشرة وسريعة التأثير.
وتُعد الظبي المهيري (11 عاماً) من أبرز النماذج الإماراتية الشابة في مجال الاستدامة والعمل المناخي وتمكين الأطفال، إذ نجحت في سن مبكرة في تحويل شغفها بالبيئة إلى مبادرات ذات أثر محلي ودولي.
وقالت الظبي المهيري لـ«الإمارات اليوم» إنها تسعى إلى تحويل اهتمام الأطفال بالبيئة إلى سلوك يومي ومبادرات عملية تُحدث أثراً مجتمعياً حقيقياً، عبر منصات التواصل الاجتماعي والمحتوى الهادف والمؤثر.
وتقود الظبي مبادرة «النادي البيئي – Eco Club»، التي تمكنت من الوصول إلى أكثر من 18 ألف طفل داخل الإمارات وخارجها عبر ورش عمل وفعاليات مدرسية ومجتمعية.
ومن خلال المبادرة، أطلقت الظبي كتباً وقصصاً بيئية ألّفها أطفال حول قضايا المناخ والاستدامة، وشارك عدد منهم في توقيع كتبهم خلال مؤتمر COP28 في دبي، بهدف تمكين الأطفال من المشاركة في الحوار البيئي العالمي منذ سن مبكرة، كما امتد أثر المبادرة إلى مدارس ومؤسسات تعليمية في المملكة المتحدة وهونغ كونغ، حيث استُخدمت بعض المشاريع والقصص كنماذج تعليمية لتعزيز مفاهيم الاستدامة والعمل البيئي.
وحصلت الظبي على لقب «بطل الحياد الصفري»، بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم ومنظمة يونيسيف خلال مؤتمر COP28، كما حققت المركز الأول في جائزة الشيخ حمدان بن زايد البيئية ضمن فئة الشباب، وتُعد أصغر كاتبة عمود صحافي في العالم بحسب موسوعة غينيس للأرقام القياسية.
وشاركت حصة بالجافلة (11 عاماً) في عدد من المبادرات والفعاليات البيئية، كما كانت ضمن المشاركين في مؤتمر COP28، حيث أسهمت في إيصال صوت الأطفال ضمن الحوارات المرتبطة بالمناخ، كما ألّفت كتاباً للتوعية البيئية يستهدف الأطفال بأسلوب مبسط، إلى جانب مشاركاتها في منابر تعليمية ومجتمعية ركزت على تمكين الأجيال الجديدة من التفاعل مع القضايا البيئية العالمية وصناعة تأثير إيجابي داخل المجتمع.
وقالت إنها تحرص على استخدام منصات التواصل وصناعة المحتوى الرقمي لنشر الوعي البيئي بين الأطفال والشباب، عبر رسائل مبسطة وقريبة من جيلها حول المناخ والاستدامة وجودة الحياة.
وبرز سعيد المهيري (سبعة أعوام) رغم صغر سنه، كنموذج ملهم للأطفال المهتمين بالعلوم والبيئة، بعدما فاز بمنحة «محمد بن زايد للمحافظة على الكائنات الحية» دعماً لمشروعه حول حيوان الأطوم والأعشاب البحرية وأهمية حماية البيئة البحرية في دولة الإمارات، كما يحمل رقمين قياسيين في موسوعة غينيس للأرقام القياسية، كأصغر مؤلف كتاب وأصغر مؤلف سلسلة كتب في العالم.
وقال إنه يسعى إلى توظيف الكتابة والمحتوى الرقمي لنشر الوعي البيئي والعلمي بين الأطفال، وتشجيعهم على الاهتمام بحماية الكائنات الحية والبيئة البحرية وقضايا الاستدامة بأسلوب يناسب أعمارهم.
كما يحرص على ربط العلوم والفضاء والتكنولوجيا بقضايا المناخ والاستدامة، بهدف تحفيز الأطفال على التفكير العلمي والمشاركة في حماية البيئة والكائنات الحية.
وأظهر رصد «الإمارات اليوم» اتساع حضور القضايا البيئية على المنصات الرقمية، بعدما تحولت موضوعات مثل إعادة التدوير والطاقة النظيفة وتقليل استهلاك البلاستيك إلى جزء من المحتوى اليومي الذي يقدمه مؤثرون وشباب إماراتيون بأساليب بصرية حديثة.
ومن أبرز هذه النماذج سعيد الرميثي، وهو عضو برنامج «مندوبي شباب الإمارات للمناخ»، وحور الأهلي ومانع أحمد الكعبي عضوا «نحّالي الإمارات»، وهزاع الكتبي «مزارع الفلج»، الذين يوظفون الفيديوهات القصيرة والمحتوى التفاعلي لتعزيز الوعي البيئي والاستدامة وقضايا تغير المناخ.
وقال أستاذ الإعلام الرقمي، الدكتور عمرو عبدالحميد، لـ«الإمارات اليوم» إن جيل اليوم لم يعد يكتفي بسماع التحذيرات المرتبطة بالتغير المناخي، بل يبحث عن فهم مباشر لكيفية تأثير هذه الأزمة في حياته اليومية ومستقبله الصحي والاقتصادي والاجتماعي.
وأوضح أن الأطفال والشباب أصبحوا أكثر تفاعلاً مع المحتوى الذي يربط قضايا المناخ بواقعهم المعيشي، مثل ارتفاع درجات الحرارة وجودة الهواء واستهلاك المياه والطاقة وتأثير التلوث في الصحة وجودة الحياة.
وأضاف أن المنصات الرقمية حوّلت القضايا البيئية من موضوعات علمية نخبوية إلى محتوى بصري سريع وسهل الوصول يعتمد على الفيديوهات القصيرة والقصص التفاعلية والبث المباشر.
وأكد أن التأثير الحقيقي للمحتوى البيئي لا يرتبط فقط بحجم المشاهدات، بل بقدرته على تحويل الوعي إلى ممارسات يومية، مثل ترشيد الاستهلاك وتقليل الهدر وتعزيز إعادة التدوير والمشاركة في المبادرات البيئية.
وأفادت الأستاذ المساعد في جامعة «هيريوت وات» بدبي، الدكتورة فابيان شديد، بأن المحتوى الذي يقدمه الأطفال والشباب الإماراتيون عبر منصات التواصل أصبح يمثل «لغة جديدة للوعي البيئي»، تختلف عن الأساليب التقليدية القائمة على الخطابات الرسمية والتقارير العلمية المعقدة.
وأوضحت أن الأجيال الجديدة تتفاعل بصورة أكبر مع المحتوى السريع والبصري القادر على تبسيط المعلومات وتحويل القضايا المناخية إلى رسائل يومية قريبة من الناس، مشيرة إلى أن صناع المحتوى الشباب نجحوا في تقديم موضوعات الاستدامة بأساليب أكثر جذباً، مثل القصص اليومية، والتحديات الرقمية.
وأضافت أن هذا النوع من المحتوى يمتلك قدرة عالية على الوصول إلى الجمهور، خصوصاً الأطفال والمراهقين، لأنه يعتمد على التفاعل المباشر واللغة البصرية بدلاً من الأسلوب الأكاديمي التقليدي، وأكدت أن منصات مثل «تيك توك» و«إنستغرام» و«يوتيوب» أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من أدوات التوعية البيئية عالمياً.
وأشارت إلى أن التأثير الحقيقي للمحتوى البيئي الرقمي لا يقاس فقط بعدد المشاهدات أو المتابعين، بل بقدرته على تغيير السلوكيات اليومية.

